ورد الآن

مظاهرات غزة مُهلِكة، لكنها تجذب الانتباه وتُشعل الحماس.. لهذا هي مصدر قلق للقادة العرب وإسرائيل

بعد جمعة الكاوتشوك، يتحدَّث شباب غزة عن تنظيم “جمعة الزهور”، و”جمعة النعوش”، بل و”جمعة الأحذية”، أما إسرائيل فتخشى تدحرج هذه الجمع إلى حدث خطير من وجهة نظرها، مِن شأنه تحويل هذه المظاهرات لكابوس حقيقي.
انتهت مظاهرة “جمعة الكاوتشوك” بمقتل تسعة فلسطينيين على طول السياج الحدودي الذي يُطوِّق غزة، رغم ارتفاع ستار الدخان الناتج عن إطارات المطاط المُحترِقة، وأفضت إلى جولةٍ ثانية من الانتقادات الدولية لاستخدام إسرائيل القوة المميتة.
ولم يُحبِط الفلسطينيين ضَعف المشاركة، أمس الأول الجمعة، 6 أبريل/نيسان 2018، مقارنةً بالجمعة التي سبقتها، بل بدوا نشطين ومتحمّسين إزاء الحفاظ على شكلٍ من الاحتجاج غير العنيف في مجمله، حسب تقرير لصحيفة The New York Times.

حرب أم ساحة احتفال.. كيف بدأت هذه المسيرات؟

بدأت المسيرات التي يُطلَق عليها اسم “مسيرات العودة الكبرى”، في 30 مارس/آذار 2018، وكان من المُفتَرَض أن تستمر كل يوم جمعة لعدة أسابيع، لتبلغ ذروتها بمظاهرة حاشدة، في 15 مايو/أيار في يوم النكبة، الذي يُحيي ذكرى فرار وطرد مئات الآلاف من الفلسطينيين خلال الحرب الإسرائيلية في عام 1948.
في 30 مارس/آذار 2018، شارك حوالي 30 ألف شخص في مظاهرة الجمعة الأولى، وقُتِلَ 20 فلسطينياً على يد الجنود الإسرائيليين، وذلك وفقاً لمسؤولي الصحة في غزة. وأظهرت مقاطع الفيديو، أن بعضهم أصيبوا بالرصاص، بينما كانت ظهورهم للسياج الحدودي.
وفي أمس الأول الجمعة، كانت الحشود أقل، ولكن تسعة فلسطينيين لقوا حتفهم.
مشهد التظاهرة، حيث تجمع حوالي 20 ألف فلسطيني كان مربكاً؛ إذ جمع المكان بين ما يشبه ساحة العرس وساحة معركة، فالموسيقى تختلط مع الصرخات، والبعض يرتدي أقنعةً واقيةً من الغاز، بينما آخرون يبيعون الترمس والعصائر والشطائر، حسب وصف تقرير لصحيفة The Guardian البريطانية.
وسعى شبان فلسطينيون إلى حجب مشاهد القوات الإسرائيلية عن طريق حرق عشرات الإطارات. بدت صفارات الإنذار وكأنها سيارات إسعاف متمركزة على مسافة 150 متراً، أو نحو ذلك من الحدود، وأضواء حمراء تومض، وتم نقل المصابين إلى مستشفيات وعيادات ميدانية خارج منطقة الخطر.

ليست موجَّهة لإسرائيل وحدَها.. فما هدفها؟

“كان بإمكان القادة العرب، خاصة في الخليج تجاهل القضية الفلسطينية، وظنوا أن الصراع مستقر، لكن ما يحدث الآن يذكرهم جميعاً -الولايات المتحدة وإسرائيل والأوروبيين- بأن المشكلة لا تزال قائمة. قد تبدو الأمور مستقرة، لكنها ليست كذلك، بل إنها تغلي”. هذه إحدى نتائج التظاهرات من وجهة نظر عمر شعبان، مدير مركز بال ثينك للدراسات الاستراتيجية، وهو مركز أبحاث في غزة.
ويقول ناثان ثرال، المُحلِّل لدى مجموعة الأزمات الدولية، الذي يتابع غزة عن كثب، إن الحماسة تزداد لدى المتظاهرين في غزة.
ويرى أنَّ الهدف الرئيسي للمظاهرات هو توجيه رسالة إلى حلفاء الفلسطينيين من العرب، وإلى الولايات المتحدة، مفادها أنه سيتوجَّب تحمُّل العواقب في حال حاولت إدارة ترامب، من وجهة نظرهم، تفكيك القضية الفلسطينية.
وتابع: “يأتي ذلك في وقتٍ يشعر فيه الفلسطينيون بأنهم مُهمَّشون تماماً من الأجندة العالمية، بل من الأجندة الإقليمية كذلك”.
وأشار كذلك إلى اتفاق بين المملكة العربية السعودية وطيران الهند، يسمح للأخيرة بالطيران عبر أجواء المملكة في رحلاتها إلى إسرائيل، وتأييد الدول العربية لإسرائيل في مؤتمر البيت الأبيض الأخير حول غزة، الذي قاطعه الفلسطينيون.

التحول من البندقية إلى الكاوتشوك.. لماذا يقلقهم؟

بعد يوم الجمعة الثاني من الاحتجاجات، بدا الفلسطينيون مُوحَّدين. ورغم أن حماس أدارت المظاهرات بفاعلية على مستويات عدة، كان المشاركون ينتمون إلى مجموعة من الفصائل السياسية في غزة، ولم يرفعوا في أغلب الأحيان سوى رايةٍ واحدة، وهي العلم الوطني الفلسطيني.
وتُعلِّق الصحيفة الأميركية على هذه المظاهرات قائلة: لَطَالما دعت حماس، الجماعة الإسلامية المُسلَّحة التي تحكم غزة ولا تعترف بإسرائيل، إلى الكفاح المُسلَّح. لذا، فعند النظر لتجربة الغزِّيين المؤقتة، من الاحتجاج غير المسلح، تبدو المسألة خطوة مهمة.
الإسرائيليون بدورهم قلقون، ولأسبابٍ مختلفة، إزاء هذا التحوُّل. إنهم يجدون الآن العالم وقد انتبه لهذه الأحداث، بينما هم يستخدمون قوةً غير متناسبةٍ لمنع ما يعتقدون أنه يمكن أن يكون خرقاً كارثياً للسياج الحدودي لغزة.

يكرِّرون التاريخ الأميركي.. فماذا سيفعل المجتمع الدولي؟

يُشبِّه يوسف منير، المدير التنفيذي للحملة الأميركية لحقوق الفلسطينيين، محاولات عبور سياج إسرائيل بمحاولات المتظاهرين الأميركيين بحركة الحقوق المدنية عبور جسر إدموند بيتوس في مدينة سلما بولاية ألاباما، منذ أكثر من 50 عاماً. وقال إنَّه ينظر للمظاهرات باعتبارها فرصةً يصنعها الفسلطينيون من أجل تغيير استراتيجي.
وأضاف: “بصراحة، أعتقد أن هذا هو كعب أخيل الإسرائيلي، ومن المهم في هذه اللحظة أن يكون المجتمع الدولي داعماً للمتظاهرين، فقد قالوا دائماً: “اتركوا الأعمال العسكرية، تجنَّبوا العنف”. وإذا سمح المجتمع الدولي بالقمع العنيف لهذه الاحتجاجات دون أي إدانةٍ حقيقية، أو تدخُّل لوقف القتل، فإنه سيبعث رسالةً مفادها أن العالم لا يريد أي مقاومةٍ فلسطينية، لا عنيفة ولا سلمية، ولا أن تكون شيئاً بينهما”.
ويُصارع أهالي غزة اقتصاداً في حالة انهيار، وتعاني المستشفيات نقص الدواء، والكهرباء، لا تدوم إلا بضع ساعات في اليوم فقط، كما أن المياه غير صالحة للشرب ومياه المجاري تُضَخ في البحر. ما تعانيه غزة الفقيرة والمكتظة بالسكان يرجع لعدة أسباب، أهمها الحصار الإسرائيلي والمصري المُمتَد منذ 11 عاماً، وهو ما يدفعها نحو أزمةٍ صعبة.

غناء أم متفجرات.. ما سر الهلع الإسرائيلي؟

وفي محاولتها تفسير استخدامها للقوة المميتة، نشرت إسرائيل صوراً ومقاطع مُصوَّرَة لفلسطينيين يحاولون اختراق السياج، وقالت إنَّ آخرين ألقوا زجاجات حارقة على جنودها في الاحتجاجات الأخيرة.
وأوردت محطة راديو “مكان” الإسرائيلية، أمس السبت 7 أبريل/نيسان، أنَّه قد جرت ثماني محاولات على الأقل لزرع متفجرات على طول السياج، خلال مظاهرات الأسبوع الماضي. وقال الجيش الإسرائيلي إنَّه سيُحقِّق في مقتل مُصوِّر فلسطيني، وهو واحدٌ من الصحفيين السبعة الذين أطلقت النار عليهم.
وفي حين ألقى العديد من المتظاهرين الحجارة أو أحرقوا إطارات السيارات ودفعوها باتجاه السياج، فإن آخرين كُثُر لم يفعلوا ما يتجاوز الهتاف والغناء والصياح.
اقترب عديدٌ من المتظاهرين من السياج ليغامروا بالدخول في محيط ما أعلنته إسرائيل منطقةً عازلةً، على بُعد مئات الأمتار داخل قطاع غزة. ووفقاً لمسؤولي الصحة في غزة، أطلق الجنود الإسرائيليون النار على الكثير من هؤلاء المتظاهرين.
وقال الجنرال جيورا إيلاند، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومى الإسرائيلي “لا نريد أن نكون في وضع يضطرنا للتعامل مع مئات أو آلاف الأشخاص داخل إسرائيل. لن نتمكَّن من احتواء شيءٍ كهذا. لذا فإن الحل هو التأكُّد من عدم حدوث أي شيء للسياج”.
لكن هذا الوضع يجعل جنود إسرائيل يستهدفون بأسلحتهم أناساً غير مُسلَّحين، حسب وصف الصحيفة الأميركية.

كابوس العبور.. كيف سيردّون عليه؟

يتحدَّث الكثيرون من سكان غزة عن 15 مايو/أيار 2018، اليوم الأخير للمظاهرات، باعتباره اللحظة التي ستحاول فيها جماهير المتظاهرين عبور السياج إلى إسرائيل، وهو الأمر الذي لا يزال كابوساً بالنسبة لإسرائيل، وفقاً لآيلاند، الجنرال المتقاعد.
وعلَّق آيلاند: “إذا حدث وهاجم الآلاف من الناس في اللحظة نفسها مواقع مختلفة من السياج -وهو ما لم يحدث حتى الآن- بما في ذلك الأطفال والنساء، فقد يخلق ذلك تحدياً حقيقياً لنا، لأننا لا نريد إطلاق النار وقتل العشرات والمئات من الناس، وفي الوقت نفسه لا نريدهم أن يعبروا إلى إسرائيل، لأننا لا نستطيع تحمل ذلك”.

المقالة مظاهرات غزة مُهلِكة، لكنها تجذب الانتباه وتُشعل الحماس.. لهذا هي مصدر قلق للقادة العرب وإسرائيل ظهرت أولا في عربي بوست — ArabicPost.net.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com