Home » العالم اليوم » يتجولون بالسيارات الفارهة ويرتادون أغلى الأماكن.. كيف كوَّن هؤلاء المليارديرات الروس مستعمرتهم بلندن؟
roman abramovich

في وقت مبكرٍ من هذه الألفية، ظهر نوعٌ جديد غريب من البشر في لندن. كانوا رجالاً محدثي الثراء قادمين من روسيا، لكنهم يختلفون بطرق جذرية عن أقرانهم. يسافرون في طائرات خاصة، تصحبهم عارضات أزياء. محاطون بحراس شخصيين في بلد لا تحمل فيه الشرطة أسلحة نارية. فضحت جرأتهم وكذلك لكنتهم موطنهم الأصلي. لقد جاؤوا من بلاد الصقيع. وهم النخبة المحتكرة للثروة والسلطة في روسيا.

في البداية لم يكن مرحَّباً بهم بشكل خاص في مكان أصروا على وصفه بالضبابي. وكان لقب “ثري سيبيريا الغامض” الذي صنع ثروته من “عقود النفط المشبوهة” هو ألطف الألقاب التي نعتت بها الصحافة البريطانية رومان أبراموفيتش، حين تقدم بعرض لشراء نادي تشيلسي، بحسب تقرير صحيفة The Guardian البريطانية، رصد نخبة روسيا الثرية في لندن.

تغيرت الأحوال حين بدأت هذه النخبة في شراء أغلى العقارات ثمناً في لندن وشوري، وفتح حسابات بنكية لشركاتهم (العديد منها اتخذ من الجزر البريطانية ما وراء البحار مقراً له) واشتروا أندية كرة القدم البريطانية.

وبقوا في المدينة يحطمون أرقاماً قياسية جديدة لأسعار العقارات عاماً بعد عام، متنقلين في سيارات مرسيدس مايباخ المعدلة ويتسوقون في هارودز ويتناولون طعامهم في مطاعم لا يتحمل تكلفتها سواهم. ظلوا في الأرجاء لأكثر من 20 عاماً، مستعمرةً فاحشة الثراء في قلب العاصمة. حافظ العديد منهم على علاقاته بروسيا، وحافظ الكثير منهم على حالته القانونية “غير مقيم”، وهي ثغرة ساطعة في النظام الضريبي البريطاني.

في هذه الأثناء لبَّى سكان لندن احتياجاتهم كخدم ومعماريين ومحاسبين ومحامين ومصممي ديكور ومدرسين خصوصيين، ومتسوقين شخصيين وشرطة عائلية. لكن أكثر من سهَّل لهم الأوضاع كانت الحكومة البريطانية نفسها، التي فرشت السجادة الحمراء لمجموعة من الأشخاص أصبحت ثرواتهم الهائلة جزءاً من قصة العصر الذهبي الجديد للعاصمة.

كيف أتى هؤلاء إلى لندن؟

بغضِّ النظر عن الصناعات المختلفة التي حقَّقت منها هذه النخبة الروسية ثرواتها، لم يحققوا هذه الثروات بأنفسهم على الطريقة الأميركية. ليس بينهم من هو مثل مارك زوكربيرغ أو سيرجي برينز. العديد منهم جنى ثروته عن طريق تحويلات تمت مع الحكومة الروسية إما عبر شراء الأصول من الحكومة مقابل ملاليم زهيدة، وذلك ضمن خطة الخصخصة الحكومية، أو بيع الأصول والسلع والخدمات للحكومة الروسية مقابل مبالغ هائلة. وبعضهم تمكن من فعل الأمرين. وهناك من بينهم من عمل طوال حياته في شركات مملوكة للحكومة، ثم فجأة وبمعجزة أصبح فاحش الثراء.

دعونا نتحدث عن المصدر الذي ربما جاءت منه كل هذه الأموال المستخدمة في شراء هذه المنازل اللندنية الباهظة وأقبية جبال الجليد (وتسمى كذلك لأن الجزء الأكبر من المنزل يقبع تحت الأرض). في عام 2005 على سبيل المثال باع أبراموفيتش شركة Sibneft- وهي الشركة التي أسسها الراحل بوريس بيريتزوفسكي عن طريق ما يسمى بـ”خصخصة الديون مقابل الأسهم”- باعها لشركة غازبروم، التي تمتلكها الدولة الروسية مقابل 13 مليار دولار.

في نفس الفترة اشترى أليشر عثمانوف -قطب الأعمال أوزبكي الأصل الذي راكم لديه ما يقرب من 30% من أسهم نادي أرسنال- اشترى شركات التعدين من ذراع الاستثمار في غازبروم، وهو ما وضع الأساس لـMetalloinvest، الشركة التي تبلغ أصولها عدة مليارات دولار من إمبراطوريته الهائلة. استفاد صندوق أندريه ياكونين من بيع عدد كبير من الفنادق على قطع أرض كانت مملوكة سابقاً لشركة السكك الحديدية الروسية التي تحتكرها الدولة. اشترى السير ليونارد بلافاتنيك الأوكراني الأصل شركة البترول TNK هو وشريكاه ميخائيل فريدمان وفيكتور فيكسيلبيرغ في مشروع مشترك مع شركة BP.

في النهاية باع هؤلاء الشركاء نصيبهم لشركة Rosneft المملوكة للدولة الروسية مقابل 55 مليار دولار كاملة.

إلى جانب مراكمة هذه الثروة الهائلة كانت هناك اتهامات ضد بعض أفراد هذه النخبة الفاحشة الثراء، بخرق القواعد الجنائية والمدنية أو المهنية أو حتى المعايير الأخلاقية. اتهم أبراموفيتش من قبل شريكه السابق بيريزوفسكي بسرقة حصته في Sineft. خسر بيريزوفسكي القضية لكن المحاكمة الدرامية التي دارت رحاها في لندن كشفت عن الحماية والسيطرة التي يمارسها الكرملين في عالم الأعمال الروسي.

من ناحية أخرى، استثمر عثمانوف أموال غازبروم في شركات التعدين الروسية، بينما كان مديراً للاستثمار في الشركة، ثم باع شركات التعدين هذه لشركة تقع تحت سيطرته.

رومان أبراموفيتش

حصل ياكونين على عدد هائل من الفنادق التي تقع بالقرب من محطات القطار في عواصم المقاطعات الروسية الكبرى. بنيت العقارات على أراضٍ تمتلكها شركة السكك الحديدية الروسية، ومن أموال صندوق معاشاتها، ويدير كليهما والد أندريه، فلاديمير ياكونين، الذي كان حينها المدير التنفيذي للسكك الحديدية الروسية.

في بعض الأحيان ألقت قوة الدولة الروسية ظلالها، حيث أشارت التقارير إلى محاولتها إجبار شركة البترول البريطانية BP على بيع حصتها في مشروع TNK-BP المشترك. وتشير التقارير إلى أن الحكومة الروسية أخضعت إدارة المشروع المشترك في موسكو لأشكال من الضغط لا نراها إلا في أفلام رعاة البقر.

كانت هناك 13 غارة من قبل الأجهزة الأمنية المختلفة يرتدي فيها الضباط أقنعة ويوجهون أسلحتهم صوب الموظفين، بينما يصادرون أوراقهم وأجهزة الحواسيب الخاصة بهم. ألغيت تأشيرات الموظفين الأجانب. واعتقل موظفان بتهم التجسس. وفي مرحلة ما صدرت تقارير أنه كانت هناك محاولات مزعومة لتسميم روبرت دادلي الذي كان مديراً لمشروع TNK-BP حينها.

عندما بيع المشترك المحاصر في النهاية كان بلافاتنيك، أحد الشركاء الثلاثة الذين اغتنوا بشكل هائل من صفقة البيع. وينفي بلافاتنيك بشكل قاطع أي علاقة بحملة التحرش المزعومة ضد BP.

لماذا يتم الترحيب بهم؟

لما يتم الترحيب بالنخبة الغنية الروسية في لندن؟ بشكل عام هم ليسوا مقيمين دائمين في المملكة المتحدة. تبقى شركاتهم وأعمالهم في روسيا، وقصورهم ومنتجعاتهم تمتلكها شركات خارج البلاد. الكثير منهم غير مقيم: والعديد منهم يدفع ضرائب للمملكة المتحدة على جزء صغير جداً من ثروتهم التي يحولونها إلى إنكلترا ليغطوا تكاليفهم الحياتية. بعضهم لديه إقامات في روسيا وإسرائيل ومالطا وقبرص والنمسا وغيرها من البلدان. يظهرون بمظهر رجال الأعمال ذوي الحقائب اليدوية، لكنهم وحوش نموذجيون.

أحد التفسيرات هو الإحسان. ينخرط معظمهم في أعمال خيرية وأعمال البر هنا. بصورة ما هم مواطنون مثاليون. يتبرعون للجمعيات الخيرية الاجتماعية ويدعمون الفن ويمولون المؤسسات التعليمية. على الأرجح يودون أن ترى أعمالهم الخيرية إلى جانب أسمائهم في أعلى قائمة بحث جوجل. صنفت مجلة الصنداي تايمز عثمانوف ضمن أكثر عشرة محسنين كرماً في المملكة المتحدة، بحسب إجمالي تبرعاته في 2016. أبراموفيتش هو أكثر المتبرعين لجمعية تحقيق الأحلام الخيرية، التي تقدم عطلات حول العالم للأطفال المصابين بأمراض خطيرة.

قلد بلافاتنيك لقب الفارس بسبب تبرعاته الخيرية في المملكة المتحدة. المستفيدون من تبرعاته الخيرية -كلاهما يحملان اسمه- هما جناح في متحف تات مودرن ومدرسة حكومية في أوكسفورد.

يعتقد أن الروابط الحقيقية التي يحافظ عليها هؤلاء الأغنياء الفاحشون هي العلاقة التي تربطهم بعاصمة بلادهم موسكو، حيث حافظوا على علاقات وثيقة بالسلطة والكرملين. عمل أبراموفتش في مرحلة من المراحل حاكماً لمقاطعة شوكوتاكا الشرقية النائية لفترتين متتاليتين.

وأدى عثمانوف دوره في بناء المنشآت الرياضية لأولمبياد سوتشي وكأس العالم 2018.

يقال إن بعض هؤلاء النخبة قدموا خدمات أخرى للكرملين. بعضهم يمول حركات أقصى اليمين، وبعضهم يرعى مراكز بحثية ومجلات معادية للاتحاد الأوروبي.

أموال الأغنياء الروس فاحشي الثراء ليست حيوية لنجاة اقتصاد بريطانيا العظمى. في الوضع الحالي للعلاقات الاقتصادية الروسية البريطانية، يرى العديد من المراقبين أنها لا تجلب سوى القليل من عائدات البنوك، وتقريباً لا توجد تجارة خارجية أو توظيف أو استثمار. تبدو مساهمتهم في فاتورة الضرائب محدودة. الأدهى أنهم قادمون من ثقافة أعمال وتجارة يقال إنها تقع تحت سيطرة نظام فاسد في بلادهم. نشاطاتهم الخيرية قد تؤدي إلى أزمات علاقات عامة للمستفيدين منها.

يسأل فلاديمير إيليتش لينين: ما الذي يجب فعله؟ سيكون من الجنون وعدم الليبرالية ومن غير العملي أن نطرد هذه الوحوش المذهلة من بريطانيا. لكن بينما تعيش بيننا يجب ألا نخشى من دخول أوكارها والتحقيق في كيفية ازدهارها، ومن يغذيها.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com