Home » العالم اليوم » اليوم الثاني من هدنة الروس.. النظام يتهم المسلحين بمنع خروج أهالي الغوطة والتنظيمات المعارضة ترفض تكرار سيناريو حلب
syria

وسط كُتل الأسمنت والحديد ورائحة البارود المختلط بالغبار، كانت “أسماء صفصاف” صحبة فريقها التطوعي، يقومون بزيارة أحد الأقبية في الغوطة؛ للاطمئنان على المواطنين المحاصَرين هناك لليوم العاشر على التوالي.

في القبو، كان الأطفال يحاولون الاستمتاع قدر الإمكان بلحظات الهدوء النادرة، وأخيراً بعض اللعب وتحريك أجسامهم بعيداً عن حضن الأمهات الذي يشتدُّ عليهم كلما اشتد القصف. أسماء وفريقها كانوا في حديث مع المحاصَرين حول ظروفهم وما ينقصهم من مواد غذائية وتدفئة وإضاءة، وحينما همُّوا بالخروج من باب القبو كانت طائرة حربية بانتظارهم بقذائفها.

فريق أسماء قرر عدم المخاطرة والبقاء في القبو إلى حين انقطاع القصف، لكن آمالهم بأن تكون الغارة العابرة تبخرت.. فتحت عليهما الطائرة نيرانها، واقتربت أكثر وأكثر من قبوهم، ليتعالى بكاء الأطفال ودعاء النساء.

وعلى الرغم من تبنِّي مجلس الأمن الدولي، يوم السبت 24 فبراير/شباط 2018، قراراً يطالب بوقف شامل لإطلاق النار في سوريا من دون تأخير، وإعلان روسيا هدنة إنسانية يومية بالغوطة الشرقية ابتداء من الثلاثاء 27 فبراير/شباط 2018، تستمر بين الساعة التاسعة صباحاً بالتوقيت المحلي والثانية من بعد الظهر- فإن القصف لم يتوقف، كما تؤكد الناشطة أسماء صفصاف.

ويُفتح خلال مدة الهدنة اليومية، ممر إنساني عند معبر الوافدين، الواقع شمال شرقي مدينة دوما لخروج المدنيين، ولكن لليوم الثاني، يرفضون الخروج من مدينتهم رغم معاناتهم في الأقبية.

مرتبطون بأرضهم أم ممنوعون؟

نجت أسماء ورفاقها من القصف هذه المرة، ورغم حالة الهلع التي عاشوها فهم يرفضون مغادرة الغوطة، شأنهم في ذلك شأن باقي المدنيين الذين لم يخرج أحد منهم في اليوم الثاني من الهدنة التي حددتها موسكو، وسط تبادل للاتهامات بين الفصائل المعارضة من جهة وقوات النظام وروسيا من جهة ثانية عمن يتحمل مسؤولية استمرار الأزمة الإنسانية.

وتتهم السلطات السورية وحليفتها موسكو الفصائل المعارضة بمنع خروج المدنيين، حيث قال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الأربعاء 28 فبراير/شباط 2018، أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة: “الدور الآن على المسلحين الذين يواصلون قصف دمشق، ومنع ايصال المساعدات، وإجلاء الراغبين في مغادرة المنطقة”.

وأوضح مصدر عسكري تابع لقوات النظام، لوكالة الصحافة الفرنسية، أن الممر الإنساني مفتوح، لكن حتى الآن لم يسلكه أحد، مضيفاً أن المعارضين يحاولون “إعاقة من يحاول الخروج، وذلك بالضغط عليهم أو باستهداف الممرات الإنسانية”.

وفي المقابل، ترفض الفصائل المعارضة بالغوطة الشرقية، وبينها “جيش الإسلام” و”فيلق الرحمن”، ما تصفه بـ”تهجير المدنيين أو ترحيلهم”.

هدنة منقوصة..

نيفين، من الرافضين لمغادرة مدينتهم وديارهم، ورغم افتقاد القبو أبسط شروط الحياة، فإنها مصرّة على البقاء.. في ساعات الهدنة، تتمنى وجبتها المفضلة: أكلة بيض عيون ومعها أُمنية أكبر؛ وهي أن يصحو فجأةً الضمير الأممي وينتشلهم من أقبية الموت.

وخلال الساعات الخمس من هدنة يوم الأربعاء، خيَّم هدوء حذر على الغوطة الشرقية، قطعه تساقط بعض القذائف، وفق ما أفاد به المرصد السوري. وفور انتهاء الهدنة عند الساعة الثانية ظهراً، عادت الطائرات والمروحيات إلى الأجواء، لتستهدف مدينة دوما وبلدة أوتايا.

سكان الغوطة الشرقية غير واثقين بمصداقية الهدنة الروسية، ومن بينهم محمد أبو المجد، أحد سكان دوما، الذي يرفض الخروج من الغوطة، متسائلاً في حيرة: “في حال خرجنا، أين يذهب الشباب؟! يأخذونهم إلى الجيش لقتال الشعب؟”.

ويضيف الشيخ الستيني هازّاً كتفيه: “ماذا تعني هدنة للساعة الثانية؟! يعني أنه بعد الثانية يعود قصف الطيران ويزداد القتل”.

تخوُّف المدنيين بسبب عدم وجود توافق بين الأطراف، تؤكده اللجنة الدولية للصليب الأحمر بسوريا؛ ففي نظرها، من الصعب أن يستخدم أي مدني ممرات العبور إذا لم تكن هناك ضمانات كافية، وتضيف إنجي صدقي المتحدثة باسم اللجنة: “لن تخاطر أسرة مؤلفة من أم وأطفال بحياتها إذا لم يكن لديها ضمانات السلامة اللازمة”.

صدقي تعتبر أن الحل لا يقتصر على إخراج الحالات الحرجة من الغوطة الشرقية، وإنما يتعلق أيضاً بإدخال مساعدات طبية مناسبة، ليتم علاج المرضى، حيث هي “للأسف، 5 ساعات، نحن نحتاج لساعات طويلة من التحضير والانتقال من نقطة إلى أخرى وتفريغ المساعدات”.

سيناريو حلب

مدة الهدنة غير الكافية ضاعفت من معاناة الكثير من الجرحى والمصابين؛ ففي القبو المحاصَر فيه أسماء، تُوفي شخص وأصيب آخر إصابة بالغة، تساءل أحد الرجال: “معنا شهيد وجريح.. كيف بدنا نطالعهم؟!”. كانت طائرات الاستطلاع تمشط المكان بحثاً من المعارضين، فأجابه رجل آخر لم تتبين أسماء، ملامحه في الظلام: “خليهم للصبح..”، وصباحاً لن يكون حظ الجريح أفضل؛ إذ إن معظم المستشفيات خرجت عن الخدمة.. تكتب الناشطة الميدانية.

المعارك المتواصلة على محاور جنوب وشرق الغوطة الشرقية، خلفت مقتل 38 عنصراً من قوات النظام، و12 من فصيل “جيش الإسلام”، كما يقول المرصد السوري، خاصة في منطقة المرج جنوباً.

وسبق لروسيا أن أعلنت، خلال معارك مدينة حلب في عام 2016، هدناً إنسانية مماثلة؛ بهدف إفساح المجال أمام سكان أحياء المدينة الشرقية المحاصرين للخروج، لكن من غادروا كانوا قلة؛ إذ عبر كثيرون عن شكوكهم بشأن الممرات التي حُددت كطرق آمنة.

وانتهت معركة حلب مع ذلك بإجلاء آلاف المقاتلين المعارضين والمدنيين في ديسمبر/كانون الأول عام 2016.

وفي الغوطة الشرقية، أبدت الفصائل المعارضة استعدادها فقط لإجلاء مقاتلي هيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً)، بعد 15 يوماً من دخول وقف إطلاق النار، الذي أعلنه مجلس الأمن الدولي، حيز التنفيذ الفعلي.

ويطلب قرار مجلس الأمن الدولي وقفاً للأعمال الحربية من دون تأخير مدة 30 يوماً؛ لإفساح المجال أمام “إيصال المساعدات الإنسانية بشكل منتظم، وإجلاء طبي للمرضى والمصابين بجروح بالغة”.

ويستثني القرار تنظيمي “الدولة الإسلامية” و”القاعدة” و”جبهة النصرة”، في إشارة إلى هيئة تحرير الشام وكل المجموعات والأشخاص المرتبطين بها.

وفي انتظار هدنة اليوم الثالث، كانت أسماء تحت القصف تسأل الأطفال المحاصرين عن أجمل شيء عاشوه في الأقبية، كانت الإجابات كثيرة ومؤثرة جداً، لكن أبرزها كان لأحدهم: “لأن أحياناً بوزعولنا سندويشة أو أكلة طيبة أو شي ناكلوا”.

syria

حلم الطفل في وجبة أو سندويتش، كانت تحققه الصبية مايا مع لُعبها التي على شكل بيت وأسرة.. من يومين وهي تطبخ لأولادها.. أحسَّت بأن قصة حصارهم ما زالت طويلة ولم يهن عليها أن تترك أطفالها/لُعبها بالجوع، فقررت أن تطبخ لهم على طريقتها.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com