ورد الآن
Home » العالم اليوم » صحيفة بريطانية: مصر ستعاني طالما بقيت خاضعةً لحكم العسكر.. ما الذي يكشفه الوقود والخبز والماء عن سوء الإدارة؟

قالت مجلة The Economist البريطانية، إن مصر ستظل تعاني لتحقيق الرخاء، طالما ظلَّت خاضعةً للحكم العسكري.

ومع تبقِّي أقلِّ من شهرين على موعد الانتخابات الرئاسية المصرية، تقول المجلة، لا أحد يتحدث عن اختيار المرشحين، لأنَّه لا خيار من الأساس.

إذ جرى ترويع جميع المنافسين الجديّين للرئيس عبدالفتاح السيسي، الذي استولى على السلطة، إثر انقلابٍ عسكريٍّ عام 2013.

وأَعلن متحدٍّ وحيد عن ترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية، في 28 يناير/كانون الثاني الماضي، هو موسى مصطفى موسى، الذي كان من المعجبين المخلصين للرئيس السيسي حتى وقتٍ قريب، وقام بتقديم طلبه قبل 15 دقيقة من الموعد النهائي في اليوم التالي، بعد أن جمع بطريقةٍ ما 47 ألف توكيل في وقتٍ قياسيٍّ. ويظن الكثيرون أنَّ موسى قام بتقديم طلبه للترشّح، فقط لإضفاء تنافسية وهمية على الانتخابات.

بدلاً من انشغالهم بالحديث عن أُضحوكة الانتخابات، يتحدث المصريون عن التضخُّم الذي لا يجدونه مضحكاً. فمنذ أن سمحت الحكومة بتعويم الجنيه المصري في عام 2016، تراجعت قيمته بمقدار النصف.

وأصبح من الصعب شراء الكثير من الواردات وفق The Economist. ويؤكد نادلٌ يعمل في مدينة قها شمالي القاهرة على ذلك، قائلاً: “قبل ثلاث سنوات، كان بالإمكان شراء كل الأجهزة الكهربائية التي تحتاجها مقابل 50 ألف جنيه. أمَّا الآن، فارتفعت التكلفة لتبلغ 150 ألف جنيه”.

بدأ الخوف منذ مجزرة 2013

يتردد منتقدي النظام بشأن الإفصاح عن هُويَّاتهم، خصوصاً بعدما ارتكبت مجازر بحق المحتجين عام 2013. لكنَّ الناخبين ساخطون دون أي مواربة، ويقول أحدهم إنَّه اضطر للتخلي عن مهنته كسائق توك توك، بعد ارتفاع سعر البنزين العام الماضي. ويسترجع الرجل ذلك بعدما صار الآن يعمل في مخبز لبيع الخبز البلديّ بأسعار مدعومة بشكل كبير، فيقول: “كنتُ قد سئمت المساومة على الأسعار، أما المخبز فوظيفته مستقرة، إذ لا يمكن للناس الاستغناء عن الخبز المدعوم”.

يُعدّ ما سبق اعتقاداً شائعاً في مصر، وهو أحد الأسباب التي تجعل مهمة إصلاح الاقتصاد صعبة. إذ اعتاد المصريون على ضوابط الأسعار ومعونات الدعم التي ظلَّت قائمة منذ عشرينيات القرن الماضي. وكانت تلك الإجراءات مُكلّفة على المدى البعيد، وغير فعَّالة، ولها عواقب غير مقصودة.

الوقود والخبز والماء

تُلخص 3 سلع تتمثل في الوقود والخبز والماء المشكلة. ولنبدأ بالوقود. بينما تفرض دولٌ أكثر اخضراراً ضرائب باهظة على البنزين ووقود الديزل، تقوم مصر بنقيض ذلك. إذ يدفع سائقو السيارات 59% فقط من التكلفة الفعلية لوقود سياراتهم. ونتيجة لرخص تكاليف القيادة، يمارسها الكثيرون، ما يزيد من حدّة الازدحام، ويجعل الهواء في المناطق الحضرية رديء تماماً، حسب تقرير The Economist.

يُقدِّر البنك الدولي أنَّ الاختناقات المرورية في القاهرة وحدها، يُكلِّف مصر نحو 3.6% من إجمالي الناتج المحلّي. وبحسب منظمة الصحة العالمية، تحتلّ المدن المصرية المركز الخامس على مستوى العالم من حيث التلوث. ومع عجز الفقراء شراء السيارات، يتمتَّع الأيسر حالاً بمعظم إعانات البنزين. إذ يحصل الـ20% الأكثر ثراءً من سكان الحضر على ثمانية أضعاف الدعم الذي يحصل عليه الـ5% الأفقر في مصر.

بالمثل، فإنَّ إعانات الخبز تشكِّل إهداراً للعجين. إذ يشتري المصريون ما يصل إلى خمسة أرغفة يومياً بمقابل 10% من تكلِفتهم الحقيقية. وتدعم الدولة كذلك السكر وزيت الطهي وغيرها من الأغذية المحتوية على سعرات حرارية عالية. ويعد ذلك الأمر أحد الأسباب التي تجعل مصر واحدةً من أعلى دول العالم في معدلات السمنةً للبالغين. ورغم إدراج نظام البطاقات الذكية للحد من مقدار الغذاء المدعوم الذي يمكن للمرء صرفه، إلا أنَّ الدعم غالباً ما يُسرَق.

على جانب آخر، قد يؤدي تطبيق نظام دعم أبسط إلى الحد من تشويه الاقتصاد، مع مساعدة الفقراء بصورةٍ أكبر بكثير. إذ قدَّرت دراسة أجراها معهد كاتو، وهو مركز أبحاث مؤيد للسوق الحرة في واشنطن، في عام 2013، أنَّه إذا مُنِعت كافة إعانات الأغذية ومعونات الطاقة، وخُصِّصت نصف الأموال الناتجة من ذلك لدفع تحويلات نقدية لأفقر 60% من الأسر، ستتلقَّى كل أسرة 622 دولاراً في السنة، أي ما يعادل أكثر من ضعف دخول الـ25% الأفقر في مصر.

الميزانية العسكرية سرّية

ويصل الإنفاق على الإعانات إلى مستوى هائل، لدرجة أنَّ الدولة لا يتبقى لها سوى القليل لإنفاقه على الرعاية الصحية والتعليم. وربما لا تتعرَّض الميزانية العسكرية، التي تعد سريّة، لأي تأثير. وتُسرف الحكومة ببذخ أيضاً في تشييد عاصمة جديدة. ومن المتوقع أن يتجاوز العجز في الميزانية 9% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام.

بضغط من صندوق النقد الدولي، تُقلِّص حكومة السيسي بعض الإعانات وتتحول في المقابل نحو برنامج التحويلات النقدية. إذ شهد دعم الوقود تحولاً ضخماً ببلوغه نسبة 3.3% فقط من إجمالي الناتج المحلي في السنة المالية 2017/2016، منخفضاً من نسبة 5.9% التي كانت موجودة لحظة تولّي السيسي منصبه، وهو ما يُعَد تحوُّلاً كبيراً. لكن من المتوقع أن يرتفع الدعم الغذائي من 1.4% من إجمالي الناتج المحلي في السنة المالية الماضية إلى 1.9% في هذا العام. لكن الجانب الإيجابي هو أنَّ تلك الزيادة ستكون في معظمها في صورة نقدية من أجل المواد الغذائية التي لا تخضع لضوابط الأسعار.

وقد حاولت الحكومات السابقة رفع الدعم، لكنَّها كانت تتراجع مع أول انتفاضة خبز. ويرى الباحث داليبور روهاك، القائم على دراسة مركز كاتو، أنَّ الإصلاحات التدريجية تكون أسهل دوماً في عمليات التحول الاقتصادي. ويوصي كذلك بإلغاء كل الدعم المُقدَّم للسلع بسرعة، جنباً إلى جنب مع البيروقراطيات التي تديرها، والاستعاضة عنها بتحويلات نقدية وفق The Economist. لكن المؤكد أنَّ السيسي لن يقوم بأي تغييرٍ جذري قبل الانتخابات. وقد يتوقف التزامه بالإصلاح بعد ذلك، بشكل جزئيّ، على مقدار ما يحتاجه من معوناتٍ نقدية من صندوق النقد الدولي.

عدد سكان مصر سيزيد إلى 120 مليوناً

ربما تكون المياه هي السلعة الأكثر حساسية بين السلع الثلاث على الإطلاق. خصوصاً مع تجمُّع أكبر الأعداد من المصريين حول نهر النيل للاستفادة من مياهه في ري محاصيلهم، وفي مصانعهم ومنازلهم. ومن المتوقع أن ينمو عدد سكان البلد من 99 مليون إلى 120 مليوناً بحلول عام 2030. في ضوء هذا وذاك، يصبح التسعير السليم للمياه ضرورة للتشجيع على حفظ الموارد. ولكن بدلاً من ذلك، تسمح مصر للمزارعين بري محاصيلهم بالمياه دون مقابل، سوى تكلفة ضخمه. على الجانب الآخر، يُفتَرض بسكان الحضر دفع رسوم ضئيلة مقابل استهلاك المياه، لکن هذه الرسوم غالباً ما لا تُحصّل. وكنتيجة لذلك، يهدر المصريون سيولاً من المياه في زراعة الأرز، وفي إغراق الأرصفة بخراطيم المياه، والفشل في عملية إعادة التدوير. يقول عبدالفتاح، أحد المزارعين: “علينا أن نحفر أعمق وأعمق للحصول على المياه. أشعر بالقلق، وأي شخص يقول إنَّه لا يشعر بالقلق بشأن المياه كاذب”.

المزيد من مشكلات السد

على صعيد آخر، قد يؤدي تغير المناخ إلى زيادة جفاف مصر. والأمر الأكثر إلحاحاً هو أنَّ إثيوبيا تقوم ببناء سدٍّ ضخم على النيل الأزرق، منبع المياه الذاهبة لمصر. ولم تتفق الدول الثلاث، إثيوبيا ومصر والسودان بعد على كمية المياه التي ينبغي لكل دولة الحصول عليها بعد الانتهاء من بناء السد. وقد التقى السيسي بقادة البلدين الآخرين، في 29 يناير/كانون الثاني، وأصرَّ على عدم وجود أزمة. لكن البعض لا يملكون اليقين ذاته. إذ يقول د. إتش. إيه هيليار، الذي يعمل بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة، وهو أحد مراكز الأبحاث في العاصمة البريطانية لندن: “هناك احتمال حقيقي أن تُصعِّد مصر بشكل خطير بشأن السد”. ولا يعتقد أنَّ الخيارات العسكرية مستبعدة. ويشكِّك آخرون في فرضية أن تتهور مصر وتفجِّر السد. ومع ذلك، يظل هذا الاحتمال قائماً، إذ لا يستطيع رجل قويّ مثل السيسي، أن يبدو ضعيفاً، خاصةً بعدما اتضح هذا الأسبوع أنَّ نظامه يعتمد على إسرائيل لقصف الجهاديين الموجودين على الأراضي المصرية.

من جهةٍ أخرى، قد تصبح الإصلاحات الاقتصادية الصعبة أسهل، إذا كانت الحكومة تتمتع بشرعية انتخابها بحريةٍ. وهو بوضوح ما لن يحدث هذا العام. ورغم أنَّ الفضل يُنسب للسيسي في تعويم الجنيه والبدء في التصدي للدعم، إلا أنَّ مصر ستظل تعاني لتحقيق الرخاء طالما ظلَّت خاضعةً للحكم العسكري.إذ تحث الغريزة العسكرية وفق The Economist على إصدار الأوامر، وتتوقع من السوق الامتثال. وبالإضافة لذلك، يجعل بعض قادة الجيش من نفوذهم وسيلة للتربّح. على سبيل المثال، يبني الجيش الكثير من الطرق الجديدة، والتي غالباً ما تتم دون الحاجة لمناقصات مفتوحة. وفي 21 طريقاً منهم، تملَّك الجيش الأرض لمسافة 2 كيلومتر على كلا جانبي الطريق. من ثَمَّ، سيضطر أي شخص يريد افتتاح متجر على الطريق السريع أن يدفع إيجاراً شهرياً لـ”رجال الكاكي”.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com