ورد الآن
الرئيسية » العالم اليوم » بعد أم كلثوم وعبد الناصر.. صعود وانهيار جمهورية العامية المصرية

في الأسبوع الأخير من يناير/كانون الثاني من كل عام، يبدأ معرض القاهرة الدولي للكتاب، الأكبر من نوعه في العالم العربي. يلتقي الكُتَّاب والقُرَّاء من كل أنحاء المنطقة العربية لتبادل الكتب، ولمناقشة موضوع يتم اختياره عنواناً لدورة المعرض في كل عام.

المعرض هذا العام، في دورته الـ49، طرح موضوعاً رئيساً هو: “القوة الناعمة.. كيف؟”. وهو سؤالٌ جيدٌ، خصوصاً بالنسبة لمصر، التي تبحث عن استعادة مصادر قوتها الناعمة كدولة نموذج في الشرق الأوسط، ولطالما سيطرت اللهجة المصرية المميزة على المنطقة، عبر أفلام السينما في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وعبر أقلام كُتابها الكبار كالعقاد وطه حسين، وغيرهما من كُتاب شكلوا تاريخياً الوجدان العربي. ويُعبِّر تراجع الدور المصري في المشهد السياسي والاقتصادي؛ ومن ثم الثقافي، في منطقة الشرق الأوسط التي لا تهدأ، عن تراجع تأثير مصر في المنطقة اليوم

في مقال لأحد المدونين الثقافيين/الأدبيين في موقع The Economist البريطاني، والذي يحمل عنوان “بروسبيرو” -نسبة لإحدى شخصيات مسرحية شكسبير “العاصفة”- حاول الكاتب الإجابة عن سؤال المعرض القاهري بطريقته، محاولاً تلمُّس القوة الناعمة للهجة المصرية العامية التي سادت العالم العربي طويلاً، قبل أن تتراجع.

يقول الكاتب: “كثيراً ما تُعتَبَر العربية عائلةً لُغويةً وليست لُغةً واحدةً. يكون التعليم بالمدارس الرسمية غالباً باللغة الفصحى، وتكون الكتابة في الصحف بالفصحى المعاصرة، غير أن لكل منطقةٍ أو بلد لهجتها المختلفة عند الحديث، وتفصل بين تلك اللهجات مسافاتٌ كفيلةٌ بجعلها غير مفهومةٍ بشكلٍ كامل في كل البلدان، فالقاهري ربما لا يفهم المغربي.

وتختلف اللهجات على كل الأصعدة، بدءاً من قواعد اللغة ووصولاً إلى المفردات وطريقة النطق. وتُعد اللهجة المصرية الأسهل من بين لهحات العرب، وتتميَّز بحرف الجيم القاهرية المخفف والذي تُعطِّشه معظم اللهجات الأخرى.

وكمعظم اللهجات الأخرى، فإن العامية المصرية تأثَّرَت كثيراً بالتاريخ المحلي. اجلس مثلاً في أي مقهى قاهريٍ وسيُحييك النادل غالباً بلقب (باشا)، وهي كلمةٌ مُستعارةٌ من اللغة التركية جاءت مع الدولة العثمانية. اطلب (الفاتورة) أو ارتدِ (الجوانتيات)، وها أنت ذا تستخدم كلماتٍ من اللغة الإيطالية التي خلفتها وراءها الجالية الإيطالية التي عاشت في مصر ما يزيد على قرنٍ من الزمان. السبب نفسه جعل كلماتٍ يونانية الأصل، مثل (طرابيزة) التي تعني (طاولةً)، تشيع في مصر، وهكذا…”.

دور السينما

ويعرج كاتب المدونة، الذي يستخدم الحروف الأولى فقط من اسمه (.A.V) بالمقال، على السينما ودورها في هذا المقام، فيقول:

“خلال الأربعينيات من القرن الماضي، أَلِفت أغلب الشعوب العربية المصريين وألفت لهجتهم في الكلام. كانت صناعة السينما المصرية خلال الخمسينيات، وبتمويلٍ سخيٍ من الحكومة، ثالث كبرى صناعات السينما في العالم. فكانت نجماتٌ مثل فاتن حمامة وهند رستم يُبكيان ويُضحكان جمهورهما من طرابلس إلى دمشق. ولم تكن الموسيقى المصرية تقلُّ شأناً عن ذلك. فبلغت شهرة أم كلثوم حداً جعل موعد حفلتها الشهرية المُذاعة على الراديو مساء الخميس عُطلةً لأصحاب المحلات التجارية، يُغلقون فيه محالَّهم ويتفرَّغون لسماعها. وبلغ تأثيرها حداً جعل بعض أغانيها تروِّج لأفكارٍ كمحاربة الاستعمار ودعم المجهود الحربي للجيش المصري، وتنشرها في أرجاء العالم العربي”.

قومية ناصر

“وليست هذه مصادفةً.. فقد ساعدت دعاوى القومية العربية في نشر اللهجة المصرية. وفي فورة النصر وتجاوُز أزمة قناة السويس عام 1956، وفي أثناء تطلُّع الزعيم المصري وقتذاك، جمال عبد الناصر، إلى ترسيخ عروبة مصر، أرسل مئات المُعلِّمين المصريين للجزائر؛ أملاً في أن يتخلَّى الجزائريون عن فرنسا ولهجتها الإمبريالية (كان المُعلِّمون المصريون يُدرِّسون بالعربية الفصحى، في الفصول الدراسية، لكنهم كانوا يتحدَّثون باللهجة المصرية).

وأصبح ناصر نفسه بعد ذلك رمزاً عربياً، بفضل خطاباته الجذَّابة على الإذاعة المصرية (صوت العرب)، (التي بدأت كبرنامج على إذاعة القاهرة، ثم سرعان ما تحولت إلى محطة إذاعية بدءاً من عام 1953). ولما كان عبد الناصر قد كرَّس نفسه لقيادة حركة القومية العربية التي يُفتَرَض أن تمحي الفُرقة بين العرب، فقد استخدم العامية المصرية لتبسيط أفكارٍ رنَّانة في خطاباته التي كانت تحظي بجماهيرية عريضة. وحين مات عبد الناصر في سبتمبر/أيلول من عام 1970، كانت العامية المصرية ببساطةٍ أسهل اللهجات فهماً في العالم العربي من المحيط إلى الخليج.

لا يزال المصريون فخورين بلهجتهم، التي تتمتَّع بشهرةٍ أكبر من باقي لهجات المنطقة. وفيما تُقدَّم النشرات بالعربية الفصحى، يتجادل المعلِّقون حول السياسة بالعامية المصرية. ويُمكن إرجاع ذلك جزئياً للتعليم. ففي ظلِّ مدارس كئيبةٍ، وأُميَّةٍ تنتشر بنسبة 24% من السكان، يصعب على كثيرٍ من القاهريين استخدام الفصحى بسلامة في أحاديثهم، حتى إن بعض اللُغويين يقترحون التدريس بالعامية في المدارس؛ لتحسين مستوى الفهم”.

شعراء العامية

ويمضي كاتب المقال في تحليله ليتحدث عن المثقفين والعامية المصرية. والمعروف أنه خلال الستينيات والسبعينيات، اشتُهر شعراء العامية الذين دعموا المشروع الناصري، وفي مقدمتهم صلاح جاهين وفـؤاد حداد، ومن بعدهما جاء جيل من الموهوبين في شعر العامية من أمثال عبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب، وغيرهما، والذين كانت أشعارهم تلقى في المحافل الأدبية وتغنى بأصوات كبار المطربين من أمثال محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ ونجاة وفايزه أحمد.. واشتهر الشاعر أحمد فؤاد نجم باستخدامه العامية في انتقاده اللاذع للسياسة المصرية، سواء في أشعاره أو أغانيه التي قدمها مع الشيخ إمام عيسى، في ظاهرة الغناء السياسي التي انتشرت بمصر في الستينيات والسبعينيات”.

يقول كاتب مدونة “بروسبيرو” في هذا المجال:

“حتى إن السياسيين المثقفين المصريين يملأون مناظراتهم بالألفاظ العامية أكثر من نظرائهم في الخليج أو بالمغرب، وكذلك الكُتَّاب. ويسلُك الكُتَّاب المعاصرون المسلك نفسه؛ إذ يشتهر الشاعر تميم البرغوثي بأبياته المصرية اللاذعة”.

ويستشهد الكاتب بمثال آخر في مجال الرواية، قائلاً: “مؤخراً، قد استَخدَمَت الروائية إيناس حليم العامية المصرية في مجموعتها القصصية المسماة (تحت السرير)”.

وهنا يمكن أن نضيف أن الروائيين المصريين استخدموا العامية منذ زمن وإن كان ذلك “على استحياء”، حيث ابتكر نجيب محفوظ، الحائز جائزة نوبل في الأدب، لغة فصحى بسيطة، أقرب للعامية، يمكن فهمها بسهولة في رواياته المتنوعة. لكن كتّاب المسرح، كيوسف إدريس وألفريد فرج ونعمان عاشور، استخدموا العامية في مسرحيات الستينيات التي شهدت ازدهار المسرح المصري”.

ويكمل الكاتب تأمُّله في حال العامية المصرية فيقول:

“يُوفِّر الإنترنت المزيد من الفرص للمصريين لاستكشاف عاميتهم. فقد بدأت الصيدلانية والكاتبة غادة عبد العال التدوين عن حياتها العاطفية بالعامية المصرية. ولم تكن تعتزم جمع كتاباتها في مطبوعةٍ بعنوان (عاوزه أتجوز) لقيت إعجاباً كبيراً، ثم تحولت بعد ذلك إلى مسلسل فكاهيٍ بطولة النجمة التونسية هند صبري.

وللعامية المصرية صفحةٌ على موقع ويكيبيديا. وهذا أمرٌ فريدٌ من نوعه للهجةٍ عربيةٍ، ومثيرٌ للجدل بالنسبة لأولئك الذين يعتبرون التفاخر باللهجات وسيلةً مُتعمَّدةً أو غير مُتعمَّدةٍ لتقسيم العرب.

غير أن ما يُقدِّمه الإنترنت للهجة المصرية يُقدِّمه كذلك لغيرها من اللهجات. وإذا كان آباء الشباب الفلسطينيين والأردنيين لم يملكوا خياراتٍ غير إذاعة العرب، فإن هؤلاء الشباب يستطيعون أن يسمعوا أو أن يُذيعوا ما شاءوا، وبلغتهم الخاصة.

انقسام وتدهور

لكن الصدع الأوسع في شمل القومية العربية، بالتوازي مع تدهور النفوذ المصري، لا يساعدان اللهجة المصرية في شيء. يقول جوناثان فيذرستون المُتخصِّص بالعامية المصرية في جامعة إدنبره الأسكتلندية: العالم العربي مُنقَسِمٌ للغاية الآن. ولم تعد هناك الوحدة التي كانت موجودةً سابقاً.

وقد أصبحت الأعمال السورية، مثل مسلسل (باب الحارة)، تُحقِّق نجاحاً منقطع النظير (حتى في مصر التي تشهد تدفقاً من أبناء سوريا منذ اندلاع الأحداث في الأراضي السورية قبل بضع سنوات، وباتوا ينشرون منتجاتهم ولهجتهم بمصر). وتتتم دبلجة المسلسلات التركية الأكثر رواجاً إلى العامية السورية كذلك. كما اتخذت الموسيقى العربية المنحى نفسه.

وهنا يمكن أن نذكر أنه بعد أن كانت فيروز استثناءً لبنانياً مميزاً ضد سطوة اللهجة المصرية، صارت مطربات لبنانيات وسوريات وخليجيات، نجوماً يغنين بلهجاتهن المحلية، وينجحن داخل مصر كما في أنحاء العالم العربي. كما يحقق مطربو الخليج ولبنان والمغرب وتونس الآن نجاحاً كبيراً، لم يكن معروفاً في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، حيث بدأت المنطقة تعتاد سماع المطربين العرب من خارج مصر، وساعدت الفضائيات على نشر لهجات أخرى كذلك. وهكذا مثلاً، انتقل المطرب محمد عساف من معسكر لاجئين بغزة إلى قمة الشهرة بعد فوزه في برنامج عرب أيدول، بعد أن غنى مفتخراً بلهجته الفلسطينية، قائلاً لكل مستمعٍ بين جمهوره: (علِّ الكوفية)”.

لم تتوقف ولكن..

ويمضي كاتب مدونة “بروسبيرو” في رصده وتحليله، فيقول:

“لم يتوقف تصدير الثقافة المصرية -فمصر ما زالت كبرى الدول العربية من حيث تعداد السكان وبفارقٍ كبيرٍ- لكنهم انحدروا بلا شك. وكان مهرجان دبي السينمائي الدولي قد أصدر عام 2013 قائمةً لأفضل 100 فيلمٍ عربيٍ. جاء في القائمة 35 فيلماً مصرياً من (العصر الذهبي) لما قبل السبعينيات، غير أن 3 أفلامٍ مصريةٍ حديثةٍ فقط دخلت القائمة. ويتغنى بعض السينمائيين اليوم بأن السينما المعاصرة تُبالغ في عرضها البهرجة والنساء أكثر من اهتمامها بالحبكة.

ولا يحظى المصريون، الذين يستطيعون الوصول إلى شهرةٍ أكبر خارج البلاد، بدعم حكومتهم. فمثلاً، المغني رامي عصام الذي اشتُهر في العالم العربي بنشيد (عيش، حرية، عدالة اجتماعية)، الذي كان يردده في أيام الثورة المصرية في يناير/كانون الثاني 2011، اضطُر إلى الهرب للسويد بعد أن تعرض للتعذيب من قِبل الشرطة المصرية.

وعانى مقدم البرنامج الساخر باسم يوسف مصيراً مشابهاً. فرغم شعبيته العريضة التي كسبها إثر عروضه الساخرة بالعامية المصرية، انتهى به المآل خارج مصر، إثر ضغوطٍ تعرَّض لها من قِبل النظام المصري. وتلك لمحةٌ مؤسفةٌ تشير إلى ما انحدرت إليه اللهجة المصرية بعد التفاؤل الثري لأم كلثوم وإذاعة صوت العرب”.


الاخبار والمواد الواردة في موقع "سيدر نيوز" لا تعبر بالضرورة عن رأي ادارته او العاملين انما تعبر عن رأي مصدرها الذي يتحمل كامل مسؤوليتها للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات: info@cedanews.net
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com