Home » العالم اليوم » الرجال يقصونها عن المناصب القيادية.. كيف سيؤدي تمكين المرأة الأردنية لإحلال استقرار سياسي واقتصادي في بلدها؟

لم يمنعها صغر سنّها ولا إخفاقها سابقاً، من الاستمرار في رحلتها من أجل الوصول إلى هدفها في خدمة المجتمع ومساعدة مواطنيه، رغم التحديات والعقبات التي يفرضها هؤلاء أنفسهم، ليس لشيء إلا لأنها امرأة.

الأردنية كوثر الشباطات (33 عاماً)، هي ناشطة اجتماعية تحمل شهادة الماجستير، خاضت قبل 5 سنوات تجربة الانتخابات البلدية في عام 2013. حينها، كان عمرها 28 عاماً فقط، واستطاعت الفوز بمقعد بالفعل من خلال الكوتة النسائية، لتكون أصغر عضوة في بلدية الطفيلة الكبرى (جنوب الأردن)، حيث تقيم.

تجربة الانتخابات البلدية التي خاضتها، وتمكنت من خلال جهودها المبذولة من تمثيل بلدها في محافل دولية، دعتها للتفكير في خوض الانتخابات النيابية خلال عام 2016، إلا أن تلك التجربة حملت معها تحديات وعوائق أكثر، جعلت من تلك الناشطة محلاً للإقصاء والرفض.

وتواجه النساء في الأردن الكثير من التحديات نحو الوصول للمناصب القيادية، سواء في الحكومة أو البرلمان، ويعود ذلك في نظرهن إلى طبيعة المجتمع، الذي يصفونه بأنه “ذكوري” في خصائصه.

تقول الشباطات بابتسامة واثقة، إن الشخص الناجح تجري محاربته، “وإذا كانت سيدة، فإنها تحارَب من غالبية الأشخاص حتى المتعلمين أنفسهم!”.

وأضافت لـ”هاف بوست عربي”، أن الكوتة النسائية، في تجربة الانتخابات البلدية، مكَّنتها من المنافسة والفوز، إلا أن تجربة الانتخابات النيابية، لكونها تعتمد على الأشخاص الذين تختارهم وتدعمهم العشيرة للتنافس والفوز؛ فإن المعادلة لدى الرجال الراغبين في الترشح من المنطقة ذاتها التي ترشحت فيها، اختلفت لديهم على نحو دعاهم لاستبعادها من قوائم المرشحين.

حظيت كوثر بدعم معنوي جيد من قِبل عائلتها الصغيرة، التي أصرت على رفض المال الذي كان يعرض على كوثر مقابل انسحابها من الترشح للانتخابات النيابية، وأصرت على ضرورة خوضها التجربة واستمرار وجودها في الساحة.

إصرار الناشطة على الاستمرار والوجود على الساحة المجتمعية، وعدم الانسحاب من الترشح، دعاها لتشكيل قائمة من 3 مرشحين، بعد استبعادها من قوائم كانت قد اتفقت مع مرشحين آخرين على تشكيلها.

ورغم ذلك لم تتوقف التحديات؛ إذ وصلت إلى حد تهديد المرشحين الموجودين معها في القائمة، على نحو اضطرهم إلى الانسحاب.

أصرت الشباطات على الاستمرار فيما رغبت وبدأت به؛ فلم تنسحب من الترشح، لكن النصر لم يكن حليفها هذه المرة، فحصدت من أصل نحو 3 آلاف صوت كانت قد توقعت انتخابهم لها، على 200 صوت فقط.

خسرت الشباطات في الانتخابات النيابية 2016، وحتى في انتخابات المجالس اللامركزية عام 2017 لم تحظَ أيضاً بفرصة الفوز، وهي تؤكد أن المرأة تحارب وثمة نظرة ذكورية ترفض مشاركة المرأة، وتزيد من تلك الحرب التي تواجهها من ترغب في خوض معترك الحياة العامة.

وليست ظبية الغزاوي بأحسن حال من تجربة الشباطات؛ فالغزاوي خاضت تجربة الانتخابات البلدية 3 دورات، تمكنت فيها من الوصول، إلا أنها أخفقت عندما خاضت تجربة الانتخابات النيابية.

تشرح المرأة، التي تجاوزت الأربعين، والتي تنتمي -بحسب قولها- إلى عشيرة صغيرة مقارنة بعشائر أكثر امتداداً وعدداً في الأغوار الشمالية التابعة لمحافظة إربد، أن الترشح النيابي يعني وجود عشائر كبيرة تقدم مرشحيها للتنافس، ضمن إطار يسيطر عليه “المجتمع الذكوري”، فضلاً عن الحاجة لموازنة مالية ليست قليلة، وهو الأمر الذي لا يتوافر كثيراً للسيدات المرشحات، على حد تعبيرها.

ويبدو أن النساء في الأردن يواجهن، في حال رغبن في خوض معترك الحياة العامة، كثيراً من التحديات والعوائق التي قد تمنع مشاركتهن لصالح مشاركة الرجال على حسابهن، لجملة أسباب تتقاطع فيها المسببات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحتى التشريعية، وفق ما تقوله خبيرات في شأن المرأة.

واقع مشاركة المرأة الأردنية

تقول مديرة مشروع تمكين النساء في المواقع القيادية بالحكومة والمجتمع المدني ديانا حدادين، والمموَّل من الوكالة الألمانية GIZ، إن واقع مشاركة النساء في المواقع القيادية يعكس غياباً للبيئة الداعمة لوجود المرأة في صناعة القرار، كدعم الرجال للنساء، والعادات والتقاليد المجتمعية.

وتوضح أن تلك العوامل الغائبة كلها حلقات متداخلة، وجودُها بطريقة فاعلة إلى جانب القوة الاقتصادية يجعل المرأة أكثر قدرة على المشاركة في صناعة القرار.

ويشير تقرير نُشر على موقع thehill باللغة الإنكليزية بعنوان: “مفتاح الأردن للاستقرار الاقتصادي والسياسي: تمكين المرأة”، إلا أن المرأة الأردنية كانت ممثلة تمثيلاً ناقصاً في الحياة الاقتصادية والسياسية، غير أن ما يُقدَّر بنحو 95% من النساء في الأردن يتعلمن القراءة والكتابة، وأن عدد النساء اللاتي يلتحقن بالجامعة أكبر من عدد الرجال.

وأشار التقرير إلى أنه في المقابل، هناك أقل من 16% من النساء الأردنيات لديهن وظيفة أو يبحثن عن وظيفة واحدة، مؤكداً أن تمثيل المرأة الأردنية في الحياة السياسة يعتبر ناقصاً؛ إذ يبلغ عدد أعضاء البرلمان 130 عضواً، منهم 20 امرأة فقط.

ويتابع التقرير، الذي كُتب بناء على مشاهدات كاتبته العضوة في مجلس إدارة الشبكة الديمقراطية النسائية، التابعة للمعهد الجمهوري الدولي “غيل غيتشو”، أن هناك عملاً يتعين القيام به، من أجل السعي إلى مسار حيوي اقتصادي وسياسي؛ إذ “يجب تمكين المرأة في الأردن”.

وينوه التقرير إلى أن المملكة الأردنية اتخذت خطوات إيجابية لتشجيع النساء على تولي مناصب قيادية، وتولي المناصب الإدارية والعمل خارج المنزل، لكن التقرير يلفت إلى ضرورة أن تستمر تلك الخطوات لزيادة عدد النساء في أطياف صنع القرار.

تذكر حدادين، التي تعمل ضمن مشروع يعالج كيفية تخطي العقبات والمعيقات أمام مشاركة المرأة في المجتمع والحياة العامة- أنه جرى العمل على تنفيذ حملات توعية وتثقيفية فيما يتعلق بأهمية مشاركة المرأة في الحياة العامة؛ من أجل دعم المرأة في الوصول لمواقع صنع القرار، ودعم استمرارها من خلال معرفة حاجاتها التدريبية لتلك المهمة.

حادثة يتندر بها الأردنيون

استطاعت بعض السيدات، ومن خلال المنافسة على نظام الكوتة النسائية، الوصول للمجلس النيابي؛ وإن كنّ بأعداد قليلة، لكنها بقيت الوسيلة الأضمن لوصول السيدات.

“اقعدي يا هند”، جملة يتندر عليها الأردنيون والتي جاءت ضمن واقعة شكَّلت صدمة لدى المجتمع الحقوقي النسائي؛ فالحادثة التي بدأت بمخاطبة النائب يحيى السعود زميلته النائبة هند الفايز في أثناء نقاش لها مع نائب آخر، للصمت من أجل أن يبدأ السعود مداخلته، انتهت حين لم تستجب له الفايز بأن دعا: “الله ينتقم منه الذي جاء بالكوتة على البرلمان”.

المنظمات العاملة في مجال حقوق المرأة لم تكن أساساً راضية عن وجود كوتة في البرلمان، لكنها اعتبرتها وسيلة ضمان لوصول النساء ليس أكثر، ووجدت بتلك العبارة انعكاساً لعقلية ترفض مشاركة المرأة في الحياة العامة، أي إن ترجمان قول النائب هو أن وجود المرأة في البرلمان ما جاء إلا طارئاً بسبب الكوتة، وأن قوى في مواقع متقدمة ما زالت تحمل فكراً مضاداً لمشاركة المرأة.

تلك الفكرة تتفق معها الخبيرة القانونية هالة عاهد؛ إذ إن التحديات التي تواجه النساء في المجتمع ليست واحدة؛ فمنها القانوني والاجتماعي والاقتصادي، باعتبار أن غياب فرص العمل وبيئة العمل غير الصديقة للنساء وأوضاعهن الأسرية، إضافة لغياب الخدمات المساندة والتمييز ضد النساء في الأجور وعدم توافر شبكة مواصلات جيدة- كلها أسباب تدفع النساء للبقاء خارج إطار العمل.

بيد أن التحديات في مجال مشاركة المرأة في الحياة السياسية والعامة -وفق عاهد- أكبر؛ إذ يضاف إليها نظرة مجتمعية بأن للنساء مكانهن في الحيّز الخاص لا العام، وأن السياسة بمختلف مظاهرها، بدءاً من الانخراط في الشأن العام والمشاركة في الفعاليات السلمية والانخراط في الأحزاب والترشح هي مجال للرجال، وهو عمل -من وجهة نظرهم- يتعارض مع دور المرأة المقبول اجتماعياً، وهو الأمومة والإنجاب، مع ترك المرأة وحدها لمجابهة أعبائها الأسرية دون دعم.

التقرير المنشور على الموقع يتضمن الإشارة إلى أن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا تقول: إن النساء المعينات أو المنتخبات للمناصب العامة يزيد من شرعية الدولة ويزيد ثقة الجمهور في المنظومة.

وتعلق حدادين قائلةً إن الضغط العشائري تظهر سيطرته في الانتخابات، وداخل المجالس يوجد عدم ثقة بأداء السيدات، وأن المرأة التي تتمكن من الوصول تصل من خلال ارتباطها بعمل نقابي أو حزبي أو عمل مجتمعي، فضلاً عن الدعاية الانتخابية التي تحتاج لقدرة اقتصادية، وهو أمر قد لا يتوافر لدى السيدات كثيراً، على نحو يحدُّ من مشاركتهن.

لكن النقطة الأخطر، وفق ما يتضمنه التقرير، تتأتى من خلال أن التمثيل الناقص ليس مجرد مشكلة بالنسبة للمرأة الأردنية؛ بل هو مشكلة بالنسبة للبقاء الاقتصادي والثقافة الأردنية، ونوه التقرير إلى أن العديد من النساء الأردنيات يتمتعن بالموهبة والرغبة في النجاح بأي مجال يخترنه، ولكن عدداً أقل منهن يمتلكن المهارات والثقة أو الفرص للمشاركة في مجتمعهن خارج أدوارهن العائلية التقليدية.

ويخلص التقرير إلى أنه من الأهمية بمكان أن تتخذ البلدان خطوات لتحقيق الإمكانات الكاملة لشعوبها، من خلال تمكين المرأة من أن تكون شريكاً متساوياً في مستقبل البلد.

تعلق عاهد بقولها إن كان عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي يؤثر على الناس كافة، فإن آثاره على النساء أكبر؛ إذ إن غياب العدالة الاجتماعية وانتهاك حقوق الإنسان وغياب المشاركة الممثلة للمواطنين كافة يحمل انعكاساً، مشيرة إلى أن مكافحة العنف ضد المرأة والنظرة النمطية والتمكين الاقتصادي وتعزيز المشاركة السياسية- كلها قيم ستسهم في الاستقرار، والأهم أنه يجعل للمرأة دوراً أساسياً في ترسيخ الاستقرار بدل أن تكون ضحية.

كوثر الشباطات، ترى -بالفعل- أهمية دور مشاركة المرأة في السياسة والاقتصاد وغيرها من المجالات؛ لذلك فإن إخفاقها السابق لن يمنعها من استكمال المشوار نحو الوصول إلى مناصب أكبر، تستطيع من خلالها تقديم كل ما يمكنها لخدمة مجتمعها، هي تعلم أن التحديات كبيرة، لكن إصرارها أكبر.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com