ورد الآن
Home » العالم اليوم » خلف أسوار الكومباوند.. ما يبحث عنه أثرياء القاهرة بعيداً عن العيون والضوضاء والحرامية
s

ينكفئ الكومباوند على نفسه ليغفو في ليل ساحر؛ إضاءة خافتة في شوارع لا تعرف المصابيح العمومية، حدائق داكنة وبحيرات اصطناعية تسبح في عتمة الليل الصافي؛ بيوت تفوح بعبير الزهور والأشجار الاستوائية والصنوبر.

هكذا تتكرر الصورة في أحلام الشاب محمد حسن هذه الأيام، وهو يتأهب للانتقال إلى كومباوند المستقبل L’Avenir، على طريق مصر-الإسكندرية الصحراوي. طالما حلم بأن يعيش في مدينة محاطة بالأسوار التي تعزله عن العالم، وأكثر تخطيطاً من الداخل.

كومباوند المستقبل (المصدر: الصفحة الرسمية للمشروع)

انتظرت أسرة “حسن” سنواتٍ طوالاً لادخار ثمن شراء وحدة سكنية في كومباوند المستقبل، بهدف الانتقال إلى مستوى حياة أفضل. لا يتحدث عن سعرها، لكنه يحكي عن السنوات التي كانت الأسرة تدخر فيها المال لشرائها، كان المصدر الرئيس هو عائد الدروس الخصوصية لوالده، المعلم بالمرحلة الثانوية.

أقل سعر شقة بالكومباوند الجديد يزيد على مليون جنيه، حسب مواقع السمسرة المتخصصة، أما الفيلات فتبدأ من 4 ملايين جنيه.

بمجرد عبوره البوابات، يلحظ “حسن” الفصلَ بين المناطق السكنية والأماكن المخصصة لركن السيارات، وفي طريقه إلى شقته بمنتصف الكومباوند، يلقي طالب العلاج الطبيعي بجامعة القاهرة بنظراته على مساحات خضراء على الجانبين.

يلاحظ ابتعاد النادي والمركز التجاري عن المنطقة السكنية.. نظام يبدو غريباً على الشباب، الذي قضى 20 عاماً بين أزقة حي السلام الشعبي (شرق القاهرة). والهدف هو الفصل بين البيوت وضجيج الأنشطة بالسوق. في مدينة السلام، يتجاور المسكن والورشة والمطاعم الشعبية.

يتوقع “حسن” ثورة شاملة في حياته وحياة أسرته بمجرد الانتقال للكومباوند، والأسباب كثيرة، بعضها واقعي، مثل التخلص من الزحام والفوضى وغياب القواعد، والحياة بهدوء ورفاهية ونظام. وبعضها يأتي من خيالات المصريين وتصوراتهم لهذه الكلمة التي عرفوها في التسعينيات، وما زالت مصدراً لإثارة الخيال والفضول، والأعمال الفنية أيضاً، وأشهرها فيلم “نوّارة” 2016. نوّارة كانت تعبر الأسوار العالية صباحاً ومساء، فهي تعمل لدى أسرة غنية، ثم تعود مساء إلى مناطق لا تجد مياه الشرب النظيفة، حيث يعيش الأهل والجيرة والعِشرة.

ما يهربون منه قبل الدخول إلى رحاب الكومباوند

يتصور “حسن” أن الحياة ستكون مختلفة في كومباوند المستقبل؛ “فالأسوار الضخمة بالنسبة لي عزلة كبيرة، وأكثر أماناً، ما يعني أنني سأضحِّي بسمات الحي الشعبي، حي فيه أولاد بلد، يختلط فيه الغني بالفقير”. هناك وُلد “حسن” وتربى وتعايش، وتكونت صدقاته خلال فترة التعليم.

لكن بالنسبة له، كل شيء يهون مقابل الأمان المطلق خلف الأسوار، والهدوء بعيداً عن “دوشة (ضوضاء)” شوارع القاهرة التي لا تطاق.

قبل 3 عقود، كانت الأحياء الجديدة بالقاهرة، مثل مدينة نصر والمهندسين، هي محط أحلام الأثرياء والطبقة الوسطى بالحياة الأفضل، في ظل اكتفاء أحياء أرستقراطية العريقة كالزمالك والمعادي ومصر الجديدة، بسكانها القدامى.

كان الحالمون بالأحياء الجديدة يهربون من عشوائية الشوارع، وضجيج الورش، وخناقات الصغار والكبار، ومذياع المقهى العالي. لكن الوضع تغير الآن، بدليل أن عائلة الشاب إسلام أمين لم تصبر على حي مدينة نصر أكثر من 4 سنوات فقط، وقررت الهروب منه.

“المكان لم يكن مناسباً من حيث حرية المسكن، والخصوصية، وكثرة المشاجرات مع الجيران، وارتفاع الإيجارات في الوقت نفسه. وسرعان ما تحولت المباني الشاهقة المحاطة بالمراكز التجارية والفنادق إلى مدينة خانقة”، بحسب تعبير إسلام أمين، وهو مُخرِج.

غيَّرت عائلة “أمين” البوصلة من جديدٍ ناحية مدينة الرحاب، التي تعد أول مدينة سكنية متكاملة ينشئها القطاع الخاص في مصر.

ما يتوقعونه وراء الأسوار العالية الجديدة

شريحة كبيرة من أبناء الطبقة المتوسطة يراودهم الآن حلم الانتقال إلى المدن الجديدة على أطراف صحراء القاهرة، بمميزاتها التي تفرض عليهم أنماطاً جديداً لم يألفوها من قبل، أولها تقبُّل الأسوار كعلامة تجارية على الانتماء إلى هذه الطبقة.

فمنذ انتشار ثقافة الكومباوندات في نهاية التسعينيات، قدمت الفكرة نفسها على أنها مجتمعات سكنية مغلقة على شريحة اجتماعية بعينها، إلا أن الأسوار الشاهقة التي تحيطها من الخارج ويشيدها البعض حول منزله بالداخل أحياناً، ترسخ انطباعات مختلفة، مفعمة بالغموض والعزلة والخوف، وأحياناً التفرد.

المهاجرون الأوائل من صخب المدن إلى جنة الكومباوند لم يكونواً من أعالي الطبقة الوسطى مثل “حسن”؛ بل كانوا أثرياء يبحثون عن مقاصد هادئة لعطلات طويلة، ونبت أول كومباوند على أرض في الشمال، غرباً الإسكندرية. ماراقيا ومارابيلا وغيرهما، كانت مجمعات سكنية للإجازة على ساحل المتوسط، أنشأتها الحكومة وفتحت شواطئها لغير أصحابها بتذاكر يومية، وأصبحت حديث الجميع.

لم تكن العزلة كاملة وراء أسوار الجيل الأول من الكومباوند في مصر، ولم تكن بغرض السكن الدائم، وكان كومباند مارينا خاتمة الموجة، وأكثرها شهرة وتاريخاً.

الصحفي بجريدة “أخبار الأدب” الحكومية ياسر عبد الحافظ، الذي يسكن في أحد كومباوندات القاهرة الجديدة، يشعر بأن الأسوار هي رمز الخصوصية وليس العزلة. يبتعد منزل عبد الحافظ بضعة أمتار عن البوابة المسوَّرة، يقطعها يومياً في السير بمحاذاة الحشائش الصغيرة، يقول: “يكفي أن تصحو على مَشاهد الخضرة وصوت العصافير، من دون هواء المدينة المسموم، الذي نتذكره فور مغادرة التجمع. وراء الأسوار حياة أكثر جمالاً، هذا هو كل ما هنالك”.

لكن تسويق الأجيال الأولى من الكومباند كان يبيع شيئاً آخر غير الهواء والخضرة. كان النموذج الأكثر شهرة في كومباوندات القاهرة هو قطامية هايتس، استمد اسمه وسماته المميزة من مثيلاته في السوق الأميركية الرائدة في اختراع مدن الصفوة، وتلاه على النهج نفسه الكثير من المشروعات: بيفرلي هيلز، ألما هيلز؛ وميدوز بارك؛ ورويال سيتي، وغيرها.

حتى صفحة سكان قطامية هايتس على فيسبوك مغلقة، مثل المجمع نفسه، لكن صفحة عروض البيع والشراء مفتوحة لعملاء جدد محتملين.

مفهوم السور حول قطامية هايتس، الكومباوند الأول الذي تحوّل لأسطورة، فهمِه الأثرياء على أنه الحد الفاصل بين ما يريدون وما يجبرهم عليه المجتمع، الفواصل الأساسية بين الحياة داخل الكومباوند، وخارجه. الأسوار هي الأمان المطلق، والحرية المطلقة.

ما يعنيه لهم السور العالي الذي يفصل بين عالَمَين

انتقل ياسر عبد الحافظ إلى القاهرة الجديدة قبل 4 سنوات؛ بحثاً عن الخصوصية والراحة النفسية اللتين افتقدهما في حي شعبي كالهرم، دون أن يشكل السور العازل جزءاً من قراره.

القاهرة الجديدة التي استضافت أول أشكال الكومباوند قبل 20 عاماً، هي الوطن لأكثر من 20 مجمعاً سكنياً من هذا النوع الآن، تتميز عن الحي الفاخر بأسوار تجعلها أكثر تميزاً. يلاحظ عبد الحافظ أن “نظرة القاهرة القديمة المفتوحة إلى المجمعات المغلقة من خلال الأسوار، تم تسويقها تجارياً من دون أي ضرورة اجتماعية أو أمنية، لكنها فكرة تعجب العملاء”.

أيضاً، سور الطبقة المتوسطة في المدن الجديدة مثل الرحاب، ملتبس؛ فلا هو أمان ولا هو عازل.

هناك من يعيش داخل هذه المجتمعات ويتشبث بالسور كرمزية انتماء إلى الطبقات الأعلى. “سكان منطقة قريبة مني كانت بلا سور، لجأوا إلى إقامة سور من الأشجار بعد تباهي جيرانهم بالسور حول بيوتهم”.

بالنسبة للصحفي الأربعيني، السور جزء من الشكل العام فرضته الجهة المسؤولة، يستطيع العيش من دونه، لكن في حالة توافره فهو يسهم في تنامي الإحساس بإجراءات الحماية من كاميرات المراقبة والحراسة.

أما بالنسبة للمخرج الشاب إسلام أمين، فالأسوار تمثل حاجزاً ثقافياً أكثر من كونه أمنياً. “تعطيني انطباعاً بأن الحياة خلفها يحكمها الانضباط، حتى وإن اتسعت الفجوة داخلها بين سكانها من أبناء الطبقة المتوسطة والآخرين من أصحاب الدخول المرتفعة”.

الحاجز الثقافي قد يحمل في معناه الفاصل الطبقي بين عالَمَين.

“المجتمعات المسوَّرة، فكرة أساسها اقتصادي استثماري، من خلال السور يبيعون الأمن والهدوء باعتبارهما من السلع العامة المنهارة في مصر الآن”. هنا يتحدث عبد الرحمن حجازي، الباحث بمبادرة عشرة طوبة المتخصصة في مجال العمران، لـ”هاف بوست عربي”.

هكذا تبدو الأسوار فاصلة بين عالَمَين، بين العاديِّين والمميَّزين، بين الثراء الفاحش والفقر الأكثر فحشاً، بين الرفاهية والحياة على هامش الحياة، من دون الحد الأدنى للخدمات الأساسية.

s

على الجانب الخارجي للأسوار العالية يتعذب سكان الأحياء العشوائية والمفتوحة على ما يتخيلونه الحياة في الكومباوند.

“سكان القطامية هايتس يستخدمون المياه في حمامات السباحة والبحيرات الاصطناعية والنادي الصحي، وهنا على بُعد أمتار في مساكن الزلزال بالمقطم أزمة مياه. تصل لنا مياه الشرب غير نظيفة، وشوارعنا تغرق بمياه الصرف الصحي القادمة من القطامية هايتس”، كما نقلت “شباب الأهرام” عن محمد حنفي، سمكري سيارات.

وما تُخفيه الأسوار في كومباوند الطبقة المتوسطة

بين كومباوند الصفوة الأكثر ثراء، وعشوائيات الشوارع المفتوحة، هناك كومباوند الطبقة المتوسطة. يأخذ من الكومباوند اسمه وأسواره، لكنه يفتقر إلى أعز ما تملك النسخة الأصلية لسكن الصفوة: الرفاهية والهدوء والخصوصية، والكثير من التفاصيل.

الدولة تتحمل عبء بناء أحياء محاطة بالأسوار تحت اسم كومباوند، مخصص أحياناً للطبقة الوسطى وضحايا الإخلاء الإداري والقسري. حي الأسمرات، المحاط بالأسوار والبوابات بمنطقة المقطم، مثال غير ناجح على كومباوند تديره البيروقراطية، وتفرض فيه الدولة صورة لما يجب أن تكون عليه مساكن “تحيا مصر” وسلوك قاطنيها.

يشكو السكان من الضوضاء والمشاجرات وتبادل السباب، من تحطيم الأسوار المحيطة بالحديقة وملعب الكرة، رغم الدعاية الرسمية بأن الحي من أكبر الإنجازات المعمارية مؤخراً.

أما القطاع الخاص، فقدم نموذج المدينة/ الكومباوند منذ التسعينيات، وأشهرها تجربتا الرحاب ومدينتي إلى الشرق من القاهرة. المدينتان في المنطقة الوسطى بين الأحياء المفتوحة والكومباوند المغلق على سكانه بصرامة.

وتتميز المدينتان بتخطيط عمراني حديث، يفصل بين المناطق السكنية والأسواق، ويخصص مساحات واسعة للحدائق العامة المفتوحة، ويحيط بالحي العملاق سور مربع، تتخلله 24 بوابة إلكترونية لفحص السكان وزوارهم، بعضها لا يعمل أصلاً! وعلى كل البوابات يكفي أن يساوم الزائر عمال الأمن ليسمحوا له بالدخول.

عندما هرب المخرج الشاب إسلام أمين من مدينة نصر في عام 2003، اختار مدينة الرحاب. وينعم منذ اللحظة الأولى بذلك الإحساس بالأمان على حياته.

“هنا أسوار خارجية وبوابات، فضلاً عن تسلُّل أشعة الشمس إلى شرفة منزلي مع كل صباح”. يضيف أن “الرحاب والقاهرة الجديدة عمرانياً هما امتداد لمدينة نصر، تفصلهما 15 دقيقة عنها، فهي مدينة سكنية ليس مجمع فيلات، وأكثر أماناً من مناطق أخرى”.

اعتاد أمين ارتداء ملابسه الرياضية لممارسة رياضة الجري بمحاذاة سور المدينة. هنا لا يشعر بالخطر في أثناء فترة ممارسة الرياضة كل مساء، ففي رحلته لا تخطئ عيناه أكشاك الأمن التي يفصلها عن الأخرى 200 متر، هي مصدر أمانه.

ملامح الانضباط تظهر في الضوابط التي تحكم دخول الغرباء من العمال وغيرهم إلى داخل المدينة، غير أن الأمن يتدخل أحياناً لضبط سلوكيات خارجة عن سياق المكان، يقول أمين.

في العام الذي انتقل فيه إسلام أمين إلى الرحاب، كانت نرمين النجار تستعد هي الأخرى للرحيل من منطقة جسر السويس الشعبية الصاخبة، إلى “الرحاب”.

الآن، لا تتخيل النجار، (25 عاماً)، الحياة خارج مدينة الرحاب، فهي تحب الخصوصية، وهو ما يوفره لها السور المحيط بالمدينة. “لست أتعالى على الناس مطلقاً، ولكني لا أطيق الزحام، أنا لا أجلس أيضاً بالأماكن المزدحمة في الرحاب. السور يحميني من العشوائية التي تدور خارجه”.

وما يكتشفونه وراء الأسوار: الحصانة وأكثر

الإضاءة الخافتة في الشوارع على الحدائق والبحيرات الاصطناعية حلم ينتهي بانقضاء الليل. إنه الهدوء الذي ينعم به السكان الأثرياء فقط، أما من يقومون على خدمتهم فيظهرون في الصباح، مع بعض الضجيج.

تحط موجات العمال والخدم والطهاة والسائقين على بوابات الكومباوند صباحاً. تفتح السوق التجارية البعيدة عن المنطقة السكنية أبوابها. تبدأ الحركة في المدارس الدولية القريبة من محيط الكومباوند، ويتأهب أصحاب المطاعم القريبة ليوم غزير الطلبات والحركة.

“الأسوار وجاهة اجتماعية زائفة.. لا أحبها ولا أكرهها”، يختم ياسر عبد الحافظ تجربته في الكومباوند. لكنه يعرف أن الأسوار أصبحت علامة مميزة على معظم المشروعات السكنية الجديدة، علامة يكتسحون بها الأسواق تحت أكثر من شعار.

كل يوم ترتفع أعداد الداخلين إلى أسوار الكومباوند على أطراف القاهرة العتيقة، والأسباب كثيرة. يعرف ياسر عبد الحافظ أن الأسوار ربما تكون شعار الحصانة لحماية الأثرياء من صخب الطبقات الأدنى، ولحماية أصحاب القدرة من تطفُّل الفقراء والعاجزين، ولحماية أصحاب النفوذ من مطاردات العدالة والقانون.

Comments are closed.

s

ينكفئ الكومباوند على نفسه ليغفو في ليل ساحر؛ إضاءة خافتة في شوارع لا تعرف المصابيح العمومية، حدائق داكنة وبحيرات اصطناعية تسبح في عتمة الليل الصافي؛ بيوت تفوح بعبير الزهور والأشجار الاستوائية والصنوبر.

هكذا تتكرر الصورة في أحلام الشاب محمد حسن هذه الأيام، وهو يتأهب للانتقال إلى كومباوند المستقبل L’Avenir، على طريق مصر-الإسكندرية الصحراوي. طالما حلم بأن يعيش في مدينة محاطة بالأسوار التي تعزله عن العالم، وأكثر تخطيطاً من الداخل.

كومباوند المستقبل (المصدر: الصفحة الرسمية للمشروع)

انتظرت أسرة “حسن” سنواتٍ طوالاً لادخار ثمن شراء وحدة سكنية في كومباوند المستقبل، بهدف الانتقال إلى مستوى حياة أفضل. لا يتحدث عن سعرها، لكنه يحكي عن السنوات التي كانت الأسرة تدخر فيها المال لشرائها، كان المصدر الرئيس هو عائد الدروس الخصوصية لوالده، المعلم بالمرحلة الثانوية.

أقل سعر شقة بالكومباوند الجديد يزيد على مليون جنيه، حسب مواقع السمسرة المتخصصة، أما الفيلات فتبدأ من 4 ملايين جنيه.

بمجرد عبوره البوابات، يلحظ “حسن” الفصلَ بين المناطق السكنية والأماكن المخصصة لركن السيارات، وفي طريقه إلى شقته بمنتصف الكومباوند، يلقي طالب العلاج الطبيعي بجامعة القاهرة بنظراته على مساحات خضراء على الجانبين.

يلاحظ ابتعاد النادي والمركز التجاري عن المنطقة السكنية.. نظام يبدو غريباً على الشباب، الذي قضى 20 عاماً بين أزقة حي السلام الشعبي (شرق القاهرة). والهدف هو الفصل بين البيوت وضجيج الأنشطة بالسوق. في مدينة السلام، يتجاور المسكن والورشة والمطاعم الشعبية.

يتوقع “حسن” ثورة شاملة في حياته وحياة أسرته بمجرد الانتقال للكومباوند، والأسباب كثيرة، بعضها واقعي، مثل التخلص من الزحام والفوضى وغياب القواعد، والحياة بهدوء ورفاهية ونظام. وبعضها يأتي من خيالات المصريين وتصوراتهم لهذه الكلمة التي عرفوها في التسعينيات، وما زالت مصدراً لإثارة الخيال والفضول، والأعمال الفنية أيضاً، وأشهرها فيلم “نوّارة” 2016. نوّارة كانت تعبر الأسوار العالية صباحاً ومساء، فهي تعمل لدى أسرة غنية، ثم تعود مساء إلى مناطق لا تجد مياه الشرب النظيفة، حيث يعيش الأهل والجيرة والعِشرة.

ما يهربون منه قبل الدخول إلى رحاب الكومباوند

يتصور “حسن” أن الحياة ستكون مختلفة في كومباوند المستقبل؛ “فالأسوار الضخمة بالنسبة لي عزلة كبيرة، وأكثر أماناً، ما يعني أنني سأضحِّي بسمات الحي الشعبي، حي فيه أولاد بلد، يختلط فيه الغني بالفقير”. هناك وُلد “حسن” وتربى وتعايش، وتكونت صدقاته خلال فترة التعليم.

لكن بالنسبة له، كل شيء يهون مقابل الأمان المطلق خلف الأسوار، والهدوء بعيداً عن “دوشة (ضوضاء)” شوارع القاهرة التي لا تطاق.

قبل 3 عقود، كانت الأحياء الجديدة بالقاهرة، مثل مدينة نصر والمهندسين، هي محط أحلام الأثرياء والطبقة الوسطى بالحياة الأفضل، في ظل اكتفاء أحياء أرستقراطية العريقة كالزمالك والمعادي ومصر الجديدة، بسكانها القدامى.

كان الحالمون بالأحياء الجديدة يهربون من عشوائية الشوارع، وضجيج الورش، وخناقات الصغار والكبار، ومذياع المقهى العالي. لكن الوضع تغير الآن، بدليل أن عائلة الشاب إسلام أمين لم تصبر على حي مدينة نصر أكثر من 4 سنوات فقط، وقررت الهروب منه.

“المكان لم يكن مناسباً من حيث حرية المسكن، والخصوصية، وكثرة المشاجرات مع الجيران، وارتفاع الإيجارات في الوقت نفسه. وسرعان ما تحولت المباني الشاهقة المحاطة بالمراكز التجارية والفنادق إلى مدينة خانقة”، بحسب تعبير إسلام أمين، وهو مُخرِج.

غيَّرت عائلة “أمين” البوصلة من جديدٍ ناحية مدينة الرحاب، التي تعد أول مدينة سكنية متكاملة ينشئها القطاع الخاص في مصر.

ما يتوقعونه وراء الأسوار العالية الجديدة

شريحة كبيرة من أبناء الطبقة المتوسطة يراودهم الآن حلم الانتقال إلى المدن الجديدة على أطراف صحراء القاهرة، بمميزاتها التي تفرض عليهم أنماطاً جديداً لم يألفوها من قبل، أولها تقبُّل الأسوار كعلامة تجارية على الانتماء إلى هذه الطبقة.

فمنذ انتشار ثقافة الكومباوندات في نهاية التسعينيات، قدمت الفكرة نفسها على أنها مجتمعات سكنية مغلقة على شريحة اجتماعية بعينها، إلا أن الأسوار الشاهقة التي تحيطها من الخارج ويشيدها البعض حول منزله بالداخل أحياناً، ترسخ انطباعات مختلفة، مفعمة بالغموض والعزلة والخوف، وأحياناً التفرد.

المهاجرون الأوائل من صخب المدن إلى جنة الكومباوند لم يكونواً من أعالي الطبقة الوسطى مثل “حسن”؛ بل كانوا أثرياء يبحثون عن مقاصد هادئة لعطلات طويلة، ونبت أول كومباوند على أرض في الشمال، غرباً الإسكندرية. ماراقيا ومارابيلا وغيرهما، كانت مجمعات سكنية للإجازة على ساحل المتوسط، أنشأتها الحكومة وفتحت شواطئها لغير أصحابها بتذاكر يومية، وأصبحت حديث الجميع.

لم تكن العزلة كاملة وراء أسوار الجيل الأول من الكومباوند في مصر، ولم تكن بغرض السكن الدائم، وكان كومباند مارينا خاتمة الموجة، وأكثرها شهرة وتاريخاً.

الصحفي بجريدة “أخبار الأدب” الحكومية ياسر عبد الحافظ، الذي يسكن في أحد كومباوندات القاهرة الجديدة، يشعر بأن الأسوار هي رمز الخصوصية وليس العزلة. يبتعد منزل عبد الحافظ بضعة أمتار عن البوابة المسوَّرة، يقطعها يومياً في السير بمحاذاة الحشائش الصغيرة، يقول: “يكفي أن تصحو على مَشاهد الخضرة وصوت العصافير، من دون هواء المدينة المسموم، الذي نتذكره فور مغادرة التجمع. وراء الأسوار حياة أكثر جمالاً، هذا هو كل ما هنالك”.

لكن تسويق الأجيال الأولى من الكومباند كان يبيع شيئاً آخر غير الهواء والخضرة. كان النموذج الأكثر شهرة في كومباوندات القاهرة هو قطامية هايتس، استمد اسمه وسماته المميزة من مثيلاته في السوق الأميركية الرائدة في اختراع مدن الصفوة، وتلاه على النهج نفسه الكثير من المشروعات: بيفرلي هيلز، ألما هيلز؛ وميدوز بارك؛ ورويال سيتي، وغيرها.

حتى صفحة سكان قطامية هايتس على فيسبوك مغلقة، مثل المجمع نفسه، لكن صفحة عروض البيع والشراء مفتوحة لعملاء جدد محتملين.

مفهوم السور حول قطامية هايتس، الكومباوند الأول الذي تحوّل لأسطورة، فهمِه الأثرياء على أنه الحد الفاصل بين ما يريدون وما يجبرهم عليه المجتمع، الفواصل الأساسية بين الحياة داخل الكومباوند، وخارجه. الأسوار هي الأمان المطلق، والحرية المطلقة.

ما يعنيه لهم السور العالي الذي يفصل بين عالَمَين

انتقل ياسر عبد الحافظ إلى القاهرة الجديدة قبل 4 سنوات؛ بحثاً عن الخصوصية والراحة النفسية اللتين افتقدهما في حي شعبي كالهرم، دون أن يشكل السور العازل جزءاً من قراره.

القاهرة الجديدة التي استضافت أول أشكال الكومباوند قبل 20 عاماً، هي الوطن لأكثر من 20 مجمعاً سكنياً من هذا النوع الآن، تتميز عن الحي الفاخر بأسوار تجعلها أكثر تميزاً. يلاحظ عبد الحافظ أن “نظرة القاهرة القديمة المفتوحة إلى المجمعات المغلقة من خلال الأسوار، تم تسويقها تجارياً من دون أي ضرورة اجتماعية أو أمنية، لكنها فكرة تعجب العملاء”.

أيضاً، سور الطبقة المتوسطة في المدن الجديدة مثل الرحاب، ملتبس؛ فلا هو أمان ولا هو عازل.

هناك من يعيش داخل هذه المجتمعات ويتشبث بالسور كرمزية انتماء إلى الطبقات الأعلى. “سكان منطقة قريبة مني كانت بلا سور، لجأوا إلى إقامة سور من الأشجار بعد تباهي جيرانهم بالسور حول بيوتهم”.

بالنسبة للصحفي الأربعيني، السور جزء من الشكل العام فرضته الجهة المسؤولة، يستطيع العيش من دونه، لكن في حالة توافره فهو يسهم في تنامي الإحساس بإجراءات الحماية من كاميرات المراقبة والحراسة.

أما بالنسبة للمخرج الشاب إسلام أمين، فالأسوار تمثل حاجزاً ثقافياً أكثر من كونه أمنياً. “تعطيني انطباعاً بأن الحياة خلفها يحكمها الانضباط، حتى وإن اتسعت الفجوة داخلها بين سكانها من أبناء الطبقة المتوسطة والآخرين من أصحاب الدخول المرتفعة”.

الحاجز الثقافي قد يحمل في معناه الفاصل الطبقي بين عالَمَين.

“المجتمعات المسوَّرة، فكرة أساسها اقتصادي استثماري، من خلال السور يبيعون الأمن والهدوء باعتبارهما من السلع العامة المنهارة في مصر الآن”. هنا يتحدث عبد الرحمن حجازي، الباحث بمبادرة عشرة طوبة المتخصصة في مجال العمران، لـ”هاف بوست عربي”.

هكذا تبدو الأسوار فاصلة بين عالَمَين، بين العاديِّين والمميَّزين، بين الثراء الفاحش والفقر الأكثر فحشاً، بين الرفاهية والحياة على هامش الحياة، من دون الحد الأدنى للخدمات الأساسية.

s

على الجانب الخارجي للأسوار العالية يتعذب سكان الأحياء العشوائية والمفتوحة على ما يتخيلونه الحياة في الكومباوند.

“سكان القطامية هايتس يستخدمون المياه في حمامات السباحة والبحيرات الاصطناعية والنادي الصحي، وهنا على بُعد أمتار في مساكن الزلزال بالمقطم أزمة مياه. تصل لنا مياه الشرب غير نظيفة، وشوارعنا تغرق بمياه الصرف الصحي القادمة من القطامية هايتس”، كما نقلت “شباب الأهرام” عن محمد حنفي، سمكري سيارات.

وما تُخفيه الأسوار في كومباوند الطبقة المتوسطة

بين كومباوند الصفوة الأكثر ثراء، وعشوائيات الشوارع المفتوحة، هناك كومباوند الطبقة المتوسطة. يأخذ من الكومباوند اسمه وأسواره، لكنه يفتقر إلى أعز ما تملك النسخة الأصلية لسكن الصفوة: الرفاهية والهدوء والخصوصية، والكثير من التفاصيل.

الدولة تتحمل عبء بناء أحياء محاطة بالأسوار تحت اسم كومباوند، مخصص أحياناً للطبقة الوسطى وضحايا الإخلاء الإداري والقسري. حي الأسمرات، المحاط بالأسوار والبوابات بمنطقة المقطم، مثال غير ناجح على كومباوند تديره البيروقراطية، وتفرض فيه الدولة صورة لما يجب أن تكون عليه مساكن “تحيا مصر” وسلوك قاطنيها.

يشكو السكان من الضوضاء والمشاجرات وتبادل السباب، من تحطيم الأسوار المحيطة بالحديقة وملعب الكرة، رغم الدعاية الرسمية بأن الحي من أكبر الإنجازات المعمارية مؤخراً.

أما القطاع الخاص، فقدم نموذج المدينة/ الكومباوند منذ التسعينيات، وأشهرها تجربتا الرحاب ومدينتي إلى الشرق من القاهرة. المدينتان في المنطقة الوسطى بين الأحياء المفتوحة والكومباوند المغلق على سكانه بصرامة.

وتتميز المدينتان بتخطيط عمراني حديث، يفصل بين المناطق السكنية والأسواق، ويخصص مساحات واسعة للحدائق العامة المفتوحة، ويحيط بالحي العملاق سور مربع، تتخلله 24 بوابة إلكترونية لفحص السكان وزوارهم، بعضها لا يعمل أصلاً! وعلى كل البوابات يكفي أن يساوم الزائر عمال الأمن ليسمحوا له بالدخول.

عندما هرب المخرج الشاب إسلام أمين من مدينة نصر في عام 2003، اختار مدينة الرحاب. وينعم منذ اللحظة الأولى بذلك الإحساس بالأمان على حياته.

“هنا أسوار خارجية وبوابات، فضلاً عن تسلُّل أشعة الشمس إلى شرفة منزلي مع كل صباح”. يضيف أن “الرحاب والقاهرة الجديدة عمرانياً هما امتداد لمدينة نصر، تفصلهما 15 دقيقة عنها، فهي مدينة سكنية ليس مجمع فيلات، وأكثر أماناً من مناطق أخرى”.

اعتاد أمين ارتداء ملابسه الرياضية لممارسة رياضة الجري بمحاذاة سور المدينة. هنا لا يشعر بالخطر في أثناء فترة ممارسة الرياضة كل مساء، ففي رحلته لا تخطئ عيناه أكشاك الأمن التي يفصلها عن الأخرى 200 متر، هي مصدر أمانه.

ملامح الانضباط تظهر في الضوابط التي تحكم دخول الغرباء من العمال وغيرهم إلى داخل المدينة، غير أن الأمن يتدخل أحياناً لضبط سلوكيات خارجة عن سياق المكان، يقول أمين.

في العام الذي انتقل فيه إسلام أمين إلى الرحاب، كانت نرمين النجار تستعد هي الأخرى للرحيل من منطقة جسر السويس الشعبية الصاخبة، إلى “الرحاب”.

الآن، لا تتخيل النجار، (25 عاماً)، الحياة خارج مدينة الرحاب، فهي تحب الخصوصية، وهو ما يوفره لها السور المحيط بالمدينة. “لست أتعالى على الناس مطلقاً، ولكني لا أطيق الزحام، أنا لا أجلس أيضاً بالأماكن المزدحمة في الرحاب. السور يحميني من العشوائية التي تدور خارجه”.

وما يكتشفونه وراء الأسوار: الحصانة وأكثر

الإضاءة الخافتة في الشوارع على الحدائق والبحيرات الاصطناعية حلم ينتهي بانقضاء الليل. إنه الهدوء الذي ينعم به السكان الأثرياء فقط، أما من يقومون على خدمتهم فيظهرون في الصباح، مع بعض الضجيج.

تحط موجات العمال والخدم والطهاة والسائقين على بوابات الكومباوند صباحاً. تفتح السوق التجارية البعيدة عن المنطقة السكنية أبوابها. تبدأ الحركة في المدارس الدولية القريبة من محيط الكومباوند، ويتأهب أصحاب المطاعم القريبة ليوم غزير الطلبات والحركة.

“الأسوار وجاهة اجتماعية زائفة.. لا أحبها ولا أكرهها”، يختم ياسر عبد الحافظ تجربته في الكومباوند. لكنه يعرف أن الأسوار أصبحت علامة مميزة على معظم المشروعات السكنية الجديدة، علامة يكتسحون بها الأسواق تحت أكثر من شعار.

كل يوم ترتفع أعداد الداخلين إلى أسوار الكومباوند على أطراف القاهرة العتيقة، والأسباب كثيرة. يعرف ياسر عبد الحافظ أن الأسوار ربما تكون شعار الحصانة لحماية الأثرياء من صخب الطبقات الأدنى، ولحماية أصحاب القدرة من تطفُّل الفقراء والعاجزين، ولحماية أصحاب النفوذ من مطاردات العدالة والقانون.

No comments yet... Be the first to leave a reply!

Leave a Reply

You must be logged in to post a comment.

s

ينكفئ الكومباوند على نفسه ليغفو في ليل ساحر؛ إضاءة خافتة في شوارع لا تعرف المصابيح العمومية، حدائق داكنة وبحيرات اصطناعية تسبح في عتمة الليل الصافي؛ بيوت تفوح بعبير الزهور والأشجار الاستوائية والصنوبر.

هكذا تتكرر الصورة في أحلام الشاب محمد حسن هذه الأيام، وهو يتأهب للانتقال إلى كومباوند المستقبل L’Avenir، على طريق مصر-الإسكندرية الصحراوي. طالما حلم بأن يعيش في مدينة محاطة بالأسوار التي تعزله عن العالم، وأكثر تخطيطاً من الداخل.

كومباوند المستقبل (المصدر: الصفحة الرسمية للمشروع)

انتظرت أسرة “حسن” سنواتٍ طوالاً لادخار ثمن شراء وحدة سكنية في كومباوند المستقبل، بهدف الانتقال إلى مستوى حياة أفضل. لا يتحدث عن سعرها، لكنه يحكي عن السنوات التي كانت الأسرة تدخر فيها المال لشرائها، كان المصدر الرئيس هو عائد الدروس الخصوصية لوالده، المعلم بالمرحلة الثانوية.

أقل سعر شقة بالكومباوند الجديد يزيد على مليون جنيه، حسب مواقع السمسرة المتخصصة، أما الفيلات فتبدأ من 4 ملايين جنيه.

بمجرد عبوره البوابات، يلحظ “حسن” الفصلَ بين المناطق السكنية والأماكن المخصصة لركن السيارات، وفي طريقه إلى شقته بمنتصف الكومباوند، يلقي طالب العلاج الطبيعي بجامعة القاهرة بنظراته على مساحات خضراء على الجانبين.

يلاحظ ابتعاد النادي والمركز التجاري عن المنطقة السكنية.. نظام يبدو غريباً على الشباب، الذي قضى 20 عاماً بين أزقة حي السلام الشعبي (شرق القاهرة). والهدف هو الفصل بين البيوت وضجيج الأنشطة بالسوق. في مدينة السلام، يتجاور المسكن والورشة والمطاعم الشعبية.

يتوقع “حسن” ثورة شاملة في حياته وحياة أسرته بمجرد الانتقال للكومباوند، والأسباب كثيرة، بعضها واقعي، مثل التخلص من الزحام والفوضى وغياب القواعد، والحياة بهدوء ورفاهية ونظام. وبعضها يأتي من خيالات المصريين وتصوراتهم لهذه الكلمة التي عرفوها في التسعينيات، وما زالت مصدراً لإثارة الخيال والفضول، والأعمال الفنية أيضاً، وأشهرها فيلم “نوّارة” 2016. نوّارة كانت تعبر الأسوار العالية صباحاً ومساء، فهي تعمل لدى أسرة غنية، ثم تعود مساء إلى مناطق لا تجد مياه الشرب النظيفة، حيث يعيش الأهل والجيرة والعِشرة.

ما يهربون منه قبل الدخول إلى رحاب الكومباوند

يتصور “حسن” أن الحياة ستكون مختلفة في كومباوند المستقبل؛ “فالأسوار الضخمة بالنسبة لي عزلة كبيرة، وأكثر أماناً، ما يعني أنني سأضحِّي بسمات الحي الشعبي، حي فيه أولاد بلد، يختلط فيه الغني بالفقير”. هناك وُلد “حسن” وتربى وتعايش، وتكونت صدقاته خلال فترة التعليم.

لكن بالنسبة له، كل شيء يهون مقابل الأمان المطلق خلف الأسوار، والهدوء بعيداً عن “دوشة (ضوضاء)” شوارع القاهرة التي لا تطاق.

قبل 3 عقود، كانت الأحياء الجديدة بالقاهرة، مثل مدينة نصر والمهندسين، هي محط أحلام الأثرياء والطبقة الوسطى بالحياة الأفضل، في ظل اكتفاء أحياء أرستقراطية العريقة كالزمالك والمعادي ومصر الجديدة، بسكانها القدامى.

كان الحالمون بالأحياء الجديدة يهربون من عشوائية الشوارع، وضجيج الورش، وخناقات الصغار والكبار، ومذياع المقهى العالي. لكن الوضع تغير الآن، بدليل أن عائلة الشاب إسلام أمين لم تصبر على حي مدينة نصر أكثر من 4 سنوات فقط، وقررت الهروب منه.

“المكان لم يكن مناسباً من حيث حرية المسكن، والخصوصية، وكثرة المشاجرات مع الجيران، وارتفاع الإيجارات في الوقت نفسه. وسرعان ما تحولت المباني الشاهقة المحاطة بالمراكز التجارية والفنادق إلى مدينة خانقة”، بحسب تعبير إسلام أمين، وهو مُخرِج.

غيَّرت عائلة “أمين” البوصلة من جديدٍ ناحية مدينة الرحاب، التي تعد أول مدينة سكنية متكاملة ينشئها القطاع الخاص في مصر.

ما يتوقعونه وراء الأسوار العالية الجديدة

شريحة كبيرة من أبناء الطبقة المتوسطة يراودهم الآن حلم الانتقال إلى المدن الجديدة على أطراف صحراء القاهرة، بمميزاتها التي تفرض عليهم أنماطاً جديداً لم يألفوها من قبل، أولها تقبُّل الأسوار كعلامة تجارية على الانتماء إلى هذه الطبقة.

فمنذ انتشار ثقافة الكومباوندات في نهاية التسعينيات، قدمت الفكرة نفسها على أنها مجتمعات سكنية مغلقة على شريحة اجتماعية بعينها، إلا أن الأسوار الشاهقة التي تحيطها من الخارج ويشيدها البعض حول منزله بالداخل أحياناً، ترسخ انطباعات مختلفة، مفعمة بالغموض والعزلة والخوف، وأحياناً التفرد.

المهاجرون الأوائل من صخب المدن إلى جنة الكومباوند لم يكونواً من أعالي الطبقة الوسطى مثل “حسن”؛ بل كانوا أثرياء يبحثون عن مقاصد هادئة لعطلات طويلة، ونبت أول كومباوند على أرض في الشمال، غرباً الإسكندرية. ماراقيا ومارابيلا وغيرهما، كانت مجمعات سكنية للإجازة على ساحل المتوسط، أنشأتها الحكومة وفتحت شواطئها لغير أصحابها بتذاكر يومية، وأصبحت حديث الجميع.

لم تكن العزلة كاملة وراء أسوار الجيل الأول من الكومباوند في مصر، ولم تكن بغرض السكن الدائم، وكان كومباند مارينا خاتمة الموجة، وأكثرها شهرة وتاريخاً.

الصحفي بجريدة “أخبار الأدب” الحكومية ياسر عبد الحافظ، الذي يسكن في أحد كومباوندات القاهرة الجديدة، يشعر بأن الأسوار هي رمز الخصوصية وليس العزلة. يبتعد منزل عبد الحافظ بضعة أمتار عن البوابة المسوَّرة، يقطعها يومياً في السير بمحاذاة الحشائش الصغيرة، يقول: “يكفي أن تصحو على مَشاهد الخضرة وصوت العصافير، من دون هواء المدينة المسموم، الذي نتذكره فور مغادرة التجمع. وراء الأسوار حياة أكثر جمالاً، هذا هو كل ما هنالك”.

لكن تسويق الأجيال الأولى من الكومباند كان يبيع شيئاً آخر غير الهواء والخضرة. كان النموذج الأكثر شهرة في كومباوندات القاهرة هو قطامية هايتس، استمد اسمه وسماته المميزة من مثيلاته في السوق الأميركية الرائدة في اختراع مدن الصفوة، وتلاه على النهج نفسه الكثير من المشروعات: بيفرلي هيلز، ألما هيلز؛ وميدوز بارك؛ ورويال سيتي، وغيرها.

حتى صفحة سكان قطامية هايتس على فيسبوك مغلقة، مثل المجمع نفسه، لكن صفحة عروض البيع والشراء مفتوحة لعملاء جدد محتملين.

مفهوم السور حول قطامية هايتس، الكومباوند الأول الذي تحوّل لأسطورة، فهمِه الأثرياء على أنه الحد الفاصل بين ما يريدون وما يجبرهم عليه المجتمع، الفواصل الأساسية بين الحياة داخل الكومباوند، وخارجه. الأسوار هي الأمان المطلق، والحرية المطلقة.

ما يعنيه لهم السور العالي الذي يفصل بين عالَمَين

انتقل ياسر عبد الحافظ إلى القاهرة الجديدة قبل 4 سنوات؛ بحثاً عن الخصوصية والراحة النفسية اللتين افتقدهما في حي شعبي كالهرم، دون أن يشكل السور العازل جزءاً من قراره.

القاهرة الجديدة التي استضافت أول أشكال الكومباوند قبل 20 عاماً، هي الوطن لأكثر من 20 مجمعاً سكنياً من هذا النوع الآن، تتميز عن الحي الفاخر بأسوار تجعلها أكثر تميزاً. يلاحظ عبد الحافظ أن “نظرة القاهرة القديمة المفتوحة إلى المجمعات المغلقة من خلال الأسوار، تم تسويقها تجارياً من دون أي ضرورة اجتماعية أو أمنية، لكنها فكرة تعجب العملاء”.

أيضاً، سور الطبقة المتوسطة في المدن الجديدة مثل الرحاب، ملتبس؛ فلا هو أمان ولا هو عازل.

هناك من يعيش داخل هذه المجتمعات ويتشبث بالسور كرمزية انتماء إلى الطبقات الأعلى. “سكان منطقة قريبة مني كانت بلا سور، لجأوا إلى إقامة سور من الأشجار بعد تباهي جيرانهم بالسور حول بيوتهم”.

بالنسبة للصحفي الأربعيني، السور جزء من الشكل العام فرضته الجهة المسؤولة، يستطيع العيش من دونه، لكن في حالة توافره فهو يسهم في تنامي الإحساس بإجراءات الحماية من كاميرات المراقبة والحراسة.

أما بالنسبة للمخرج الشاب إسلام أمين، فالأسوار تمثل حاجزاً ثقافياً أكثر من كونه أمنياً. “تعطيني انطباعاً بأن الحياة خلفها يحكمها الانضباط، حتى وإن اتسعت الفجوة داخلها بين سكانها من أبناء الطبقة المتوسطة والآخرين من أصحاب الدخول المرتفعة”.

الحاجز الثقافي قد يحمل في معناه الفاصل الطبقي بين عالَمَين.

“المجتمعات المسوَّرة، فكرة أساسها اقتصادي استثماري، من خلال السور يبيعون الأمن والهدوء باعتبارهما من السلع العامة المنهارة في مصر الآن”. هنا يتحدث عبد الرحمن حجازي، الباحث بمبادرة عشرة طوبة المتخصصة في مجال العمران، لـ”هاف بوست عربي”.

هكذا تبدو الأسوار فاصلة بين عالَمَين، بين العاديِّين والمميَّزين، بين الثراء الفاحش والفقر الأكثر فحشاً، بين الرفاهية والحياة على هامش الحياة، من دون الحد الأدنى للخدمات الأساسية.

s

على الجانب الخارجي للأسوار العالية يتعذب سكان الأحياء العشوائية والمفتوحة على ما يتخيلونه الحياة في الكومباوند.

“سكان القطامية هايتس يستخدمون المياه في حمامات السباحة والبحيرات الاصطناعية والنادي الصحي، وهنا على بُعد أمتار في مساكن الزلزال بالمقطم أزمة مياه. تصل لنا مياه الشرب غير نظيفة، وشوارعنا تغرق بمياه الصرف الصحي القادمة من القطامية هايتس”، كما نقلت “شباب الأهرام” عن محمد حنفي، سمكري سيارات.

وما تُخفيه الأسوار في كومباوند الطبقة المتوسطة

بين كومباوند الصفوة الأكثر ثراء، وعشوائيات الشوارع المفتوحة، هناك كومباوند الطبقة المتوسطة. يأخذ من الكومباوند اسمه وأسواره، لكنه يفتقر إلى أعز ما تملك النسخة الأصلية لسكن الصفوة: الرفاهية والهدوء والخصوصية، والكثير من التفاصيل.

الدولة تتحمل عبء بناء أحياء محاطة بالأسوار تحت اسم كومباوند، مخصص أحياناً للطبقة الوسطى وضحايا الإخلاء الإداري والقسري. حي الأسمرات، المحاط بالأسوار والبوابات بمنطقة المقطم، مثال غير ناجح على كومباوند تديره البيروقراطية، وتفرض فيه الدولة صورة لما يجب أن تكون عليه مساكن “تحيا مصر” وسلوك قاطنيها.

يشكو السكان من الضوضاء والمشاجرات وتبادل السباب، من تحطيم الأسوار المحيطة بالحديقة وملعب الكرة، رغم الدعاية الرسمية بأن الحي من أكبر الإنجازات المعمارية مؤخراً.

أما القطاع الخاص، فقدم نموذج المدينة/ الكومباوند منذ التسعينيات، وأشهرها تجربتا الرحاب ومدينتي إلى الشرق من القاهرة. المدينتان في المنطقة الوسطى بين الأحياء المفتوحة والكومباوند المغلق على سكانه بصرامة.

وتتميز المدينتان بتخطيط عمراني حديث، يفصل بين المناطق السكنية والأسواق، ويخصص مساحات واسعة للحدائق العامة المفتوحة، ويحيط بالحي العملاق سور مربع، تتخلله 24 بوابة إلكترونية لفحص السكان وزوارهم، بعضها لا يعمل أصلاً! وعلى كل البوابات يكفي أن يساوم الزائر عمال الأمن ليسمحوا له بالدخول.

عندما هرب المخرج الشاب إسلام أمين من مدينة نصر في عام 2003، اختار مدينة الرحاب. وينعم منذ اللحظة الأولى بذلك الإحساس بالأمان على حياته.

“هنا أسوار خارجية وبوابات، فضلاً عن تسلُّل أشعة الشمس إلى شرفة منزلي مع كل صباح”. يضيف أن “الرحاب والقاهرة الجديدة عمرانياً هما امتداد لمدينة نصر، تفصلهما 15 دقيقة عنها، فهي مدينة سكنية ليس مجمع فيلات، وأكثر أماناً من مناطق أخرى”.

اعتاد أمين ارتداء ملابسه الرياضية لممارسة رياضة الجري بمحاذاة سور المدينة. هنا لا يشعر بالخطر في أثناء فترة ممارسة الرياضة كل مساء، ففي رحلته لا تخطئ عيناه أكشاك الأمن التي يفصلها عن الأخرى 200 متر، هي مصدر أمانه.

ملامح الانضباط تظهر في الضوابط التي تحكم دخول الغرباء من العمال وغيرهم إلى داخل المدينة، غير أن الأمن يتدخل أحياناً لضبط سلوكيات خارجة عن سياق المكان، يقول أمين.

في العام الذي انتقل فيه إسلام أمين إلى الرحاب، كانت نرمين النجار تستعد هي الأخرى للرحيل من منطقة جسر السويس الشعبية الصاخبة، إلى “الرحاب”.

الآن، لا تتخيل النجار، (25 عاماً)، الحياة خارج مدينة الرحاب، فهي تحب الخصوصية، وهو ما يوفره لها السور المحيط بالمدينة. “لست أتعالى على الناس مطلقاً، ولكني لا أطيق الزحام، أنا لا أجلس أيضاً بالأماكن المزدحمة في الرحاب. السور يحميني من العشوائية التي تدور خارجه”.

وما يكتشفونه وراء الأسوار: الحصانة وأكثر

الإضاءة الخافتة في الشوارع على الحدائق والبحيرات الاصطناعية حلم ينتهي بانقضاء الليل. إنه الهدوء الذي ينعم به السكان الأثرياء فقط، أما من يقومون على خدمتهم فيظهرون في الصباح، مع بعض الضجيج.

تحط موجات العمال والخدم والطهاة والسائقين على بوابات الكومباوند صباحاً. تفتح السوق التجارية البعيدة عن المنطقة السكنية أبوابها. تبدأ الحركة في المدارس الدولية القريبة من محيط الكومباوند، ويتأهب أصحاب المطاعم القريبة ليوم غزير الطلبات والحركة.

“الأسوار وجاهة اجتماعية زائفة.. لا أحبها ولا أكرهها”، يختم ياسر عبد الحافظ تجربته في الكومباوند. لكنه يعرف أن الأسوار أصبحت علامة مميزة على معظم المشروعات السكنية الجديدة، علامة يكتسحون بها الأسواق تحت أكثر من شعار.

كل يوم ترتفع أعداد الداخلين إلى أسوار الكومباوند على أطراف القاهرة العتيقة، والأسباب كثيرة. يعرف ياسر عبد الحافظ أن الأسوار ربما تكون شعار الحصانة لحماية الأثرياء من صخب الطبقات الأدنى، ولحماية أصحاب القدرة من تطفُّل الفقراء والعاجزين، ولحماية أصحاب النفوذ من مطاردات العدالة والقانون.

No comments yet... Be the first to leave a reply!

Leave a Reply

You must be logged in to post a comment.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com