Home » العالم اليوم » يشربون حليب الخيل فتتحسن أصواتهم فيحصدون الجوائز العالمية! قصة الشعب الذي يتقن الغناء
mare milk

في الصيف الماضي، انتشر فيديو صُوِّرَ في مدينة كارديف البريطانية انتشاراً واسعاً بين قاطني مدينة أولان باتور، عاصمة منغوليا. كان الفيديو يعرض مدربة الأوبرا ماري كينغ وعينيها دامعتين في نهائيات مسابقة هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) لأفضل مغنٍ في العالم. فمن الذي أثر في ماري هذا التأثير الكبير؟

إنَّه مغني الباريتون المنغولي أريون باتار غانباتار (29 عاماً). غَنَّى غانباتار الطويل الباسم عريض المنكبين ذي الصوت المهيب أغاني روسيني، وفيردي، وتشايكوفسكي، وسحر كل من سمعه، بما في ذلك حكام المسابقة، الذين أعلنوا فوزه بالجائزة مناصفةً مع مغنٍ آخر. وقالت ماري كينغ وفقاً لصحيفة الغارديان البريطانية: “هناك شيء مهيب في هذا الصوت، هناك عمقٌ وبهاء، من النادر أن ترى هذا المزيج من الحضور والقوة والانسيابية”.

لم تكن لغانباتار الخلفية المعتادة للمتنافسين في واحدةٍ من أرقى مسابقات الأوبرا في العالم، فقد نشأ نشأةً منغوليةً تقليديةً في خيمةٍ مع عائلته من البدو الرُّحّل، يرعى الماشية على صهوة حصان في السهول. كان يمتطي حصانه وهو طفل لمسافة تصل إلى 60 ميلاً في اليوم، وكان دائماً يغني. ظفر غانباتار بمقعدٍ في الجامعة بالعاصمة أولان باتور، ولكنَّه تركها بعد عامين لعدم استطاعته سداد المصروفات، وأصبح بعد ذلك سائقاً لسيارة أجرة. وفي ليلةٍ كان يتحدث مع أحد الركاب الذي تصادف أنَّه رئيس الشرطة بالمدينة، والقصة بعدها باختصار أنَّه التحق بالشرطة في أولان باتور، واستطاع العودة إلى مقاعد الجامعة، ثم سلك طريقه إلى كبرى دور الأوبرا في روسيا وأوروبا.

هذه القصة أثارت بشدة فضول كايت موليسون، وهي ناقدة موسيقية من غلاسكو، حيث كتبت في مقال لها بصحيفة الغارديان، أنها كانت في رحلةٍ إلى أولان باتور برفقة منتج راديو وحقيبة مليئة بمعدات الصوت. وكانت لديها نفس الصورة النمطية التي يملكها الكثير من الغربيين عن منغوليا: جنكيز خان، وصحراء غوبي، والجمال ذات الفراء الكثيف، والخيول البرية، والمغنيون الرائعون الذين يغنون باستخدام حلوقهم.

وكان الدليل التعريفي الخاص بمنغوليا يصفها بدولة شيوعية سابقة معتزة بذاتها، كانت في الماضي واحدةً من أعظم الامبراطوريات التي عرفها العالم، ويصل تعدادها الآن 3 مليون نسمة يعيشون بين قوتين كبيرتين هما روسيا والصين.

تاريخ الأوبرا في منغوليا

وتقول موليسون: “قرأت في الدليل أنَّه من الوقاحة رفض حليب الخيل المُخمَّر إذا قدمه لك شخصٌ هناك، لأنَّ تقديمه يعتبر إشارة ترحيبٍ وود”.

وتتابع الكاتبة في مقالها قائلة: “لكن الكتاب لم يخبرني لماذا تعد الأوبرا شيئا مهماً في منغوليا. لم يكن فوز غانباتار مجرد حظ؛ فقد فاز في 2015 بالجائزة الأولى في فئة المغنين الذكور في مسابقة تشايكوفسكي في روسيا. وهناك آخرون أيضاً ، منهم أمارتوفشين إنكبات، وهو أول منغولي يشارك في منافسات كارديف، ووصل إلى النهائيات في 2015. وكانت هناك مشاركة رائعة العام الماضي من باتجارغال بايارسيخان”.

استقلت منغوليا عن الصين عام 1921، وأصبحت أول دولة مستقلة تابعة للاتحاد السوفيتي. وكان مغنوها التقليديون يُرسَلون لدراسة الأوبرا في روسيا وألمانيا الشرقية وبولندا.

وتقول: “توقعتُ وجود بعض الارتباك بخصوص تاريخ هذا الفن في منغوليا، لحقيقة أنَّ هذه الموسيقى مستوردة من الاتحاد السوفيتي، ولكنَّ ذلك لم يحدث”.

4

شاع فن الأوبرا بشكل كبير في أولان باتور. ويقع المسرح الأكاديمي لفنون الأوبرا والباليه بمنغوليا في ميدان رئيسي بالعاصمة، ويتميز بلون برتقالي بديع وتصميم نيو كلاسيكي. افتُتح هذا المسرح عام 1963 بعرضٍ للأوبرا الروسية الشهيرة “يوجين أونيجين”.

يعمل اليوم في المسرح 285 شخصاً، ويستضيف أكثر من مائة فعالية في العام. ولدى منغوليا حتى اليوم أوبرا محلية، تحكي قصة حبٍ تسمى “ثلاث شخصيات درامية” لمؤلفها بي دامدينسورين، عُرضت حتى الآن 2022 مرة. قد تكون الأوبرا في منغوليا بدأت وترعرعت بفضل السوفييت، ولكنَّها تجذَّرت هناك الآن، لماذا؟ إحدى الإجابات عن هذا السؤال هي الأسباب الجيوسياسية. إذ يقول تويا شاغدار، وهو عالم أنثروبولوجيا شاب قابلته في أولان باتور: “ينبغي لنا كأمّة صغيرة أن نطور أنفسنا من خلال الثقافة في إطار سعينا لجذب انتباه العالم”.

أكد شاغدار أنَّ منغوليا لا تريد أن تظهر كثقافة تابعة لروسيا أو الصين. وألمح إلى أنَّ هزيمة الروسي في لعبتهم هو أمر غاية في المتعة. وتقول إجابة أخرى إنَّ المنغوليين مغنيون بالفطرة، وأنَّ هذا الأمر يعود لقرونٍ مضت. فالغناء عن طريق الحلق الشائع هناك مثله مثل الأوبرا يتطلب عقوداً من التدريب المتخصص ليتمكن المغني من إنتاج عدة أصوات بدرجات مختلفة في الوقت ذاته. والاستماع لخبير في هذا الغناء وجهاً لوجه يعد تجربةً استثنائية.

وقالت الكاتبة: “سجلنا ونحن هناك للمغني باتزوريغ فانشيغ، وهو واحدٌ من أفضل المغنيين هناك في هذا الفن، فدقة ونوعية النغمات والأصوات التي أنتجها كانت مذهلة. جعل صوته كصوت الرياح، ثم كصوت الثلوج، ثم كصوت رفرفة أجنحة النسور في الهواء!”

ولتصل إلى معقل هؤلاء المغنيين، ذكرت موليسون في مقالها إنها سافرت نحو ألف ميلٍ غرباً من أولان باتور، عبر صحراء غوبي إلى إقليم هوفد، وكانت منطقةً طبيعيةً خلابةً، وقضت عدة ليالٍ في يورت على ضفاف بحيرةٍ واسعة تشاهد طيور الكركي المهاجرة جنوباً من سيبيريا، وفي الأفق كانت تبدو القمم الجليدية لجبال ألتاي.

وتتابع: “لم تكن هناك طرقٌ ممهدة للسيارات، وحين كنا نتوقف أثناء القيادة للسؤال عن الطريق، كنتُ أشرب حليب الخيل المغلي وشحوم الغنم لتهدئة معدتي”.

“عندما وصلنا إلى قرية تشاندماني الصغيرة، كان لديهم احتفال: كان هناك الكثير من الفودكا، والمزيد من حليب الخيل، ومغنيون من كافة الأشكال والأصناف يمارسون غناء الحلوق”. غنى أحد أساتذتهم أغنيةً قديمة وحفيدته تجلس على ركبتيه، وغنى كورال بعض أغاني البوب مستخدماً بعض الموسيقى الإلكترونية. كان ذلك سريالياً ورائعاً. فما الذي يمكن أن يدل على فتوة الثقافة المنغولية أكثر من مجموعةٍ من الفتيان في عمر الست سنوات يغنون أغنية Born to be Wild بنغماتٍ توافقية في تناغم؟

5

علاقة الطبيعة وحليب الخيل بقوة أصواتهم

وتقول موليسون إن أغلب من تحدثت معهم ربطوا بين الثقافة الغنائية بمنغوليا وبين طبيعة البلاد هناك، فالأغاني الشعبية المعروفة “بالأغنيات الطويلة” حولت تضاريسها الجغرافية إلى أبيات شعرية، وجعلت أفقها الممتد بجباله وقممها كالحلي والزخارف.

وأضافت: “عادةً أرفض الادعاءات القائلة بأنَّ المكان الذي تولد فيه يحدد طبيعة الأصوات التي يمكنك إصدارها، فهذا يمكن أن يحول الأمر إلى ضرب من التفرد العرقيّ، أو اعتبار أنَّ بعض الشعوب مميزة ببساطة. ولكنِّي لا أستطيع إنكار طبيعية وانفتاح الصوت الذي يغني به غانباتار والمغنيون المنغوليون الآخرون”.

ولم يكن لدى خاتوشولون بويانديلغر -أحد علماء الموسيقى الذين قابلتهم- شكٌ في السبب الكامن وراء تميز أبناء منغوليا في الأوبرا، فهو يرى أنَّ ذلك يرجع لطبيعتهم الجسمانية، التي ترجع لطبيعة بلادهم ونقاء الهواء ونوعية الطعام بما فيه حليب الخيل الذي تشتهر به البلد، وحتى السردية التاريخية. هل تتذكر جنكيز خان؟ يتذكره سكان منغوليا بكل تأكيد. وقال لي بويانديلغر: “لدينا القدرة ليس فقط على غزو العالم، ولكن أيضاً على الغناء للعالم”.

فوز غانباتار جعل منه نجماً في بلده. ويأمل السياسيون أن يرسخ مساره المهني موقع منغوليا على خريطة الأوبرا العالمية، وأن يصورها كأمة متحضرةً عالمية. ويقول غانباتار إنَّه ليست لديه أي نية للرحيل عن منغوليا، وما زالت عائلته تعيش كالبدو في السهول، وترعى الماشية وهي تمتطي الخيل، وتحمل خيامها بحثاً عن المرعى، وقال: “وجودي معهم في البرية هو مصدر إلهامي، فأينما أكون، هذا ما أتخيله وأنا أغني”.

5

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com